علاء الدين أبو زينة

الواقعية السياسية ومصادرة الحقيقة..!

تم نشره في الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010. 02:00 صباحاً

 

عندما يتحدث المرء أحياناً بما يؤمن بأنه حقيقة الأشياء، فإنه يوصف بأنه غير واقعي.. وهذه مصادرة منطقية، أو لعب باللغة على أقل تقدير: كيف يمكن وصف الحقيقة بأنها ضد الواقع؟ لكن هناك فيما يبدو نوعاً خاصاً من "الواقعية السياسية" المخصوصة، التي تقتضي كتم صوت الحقيقة بوصفها ضد المصلحة. وبهذا يصبح مفهوم الواقعية مرادفاً للبراغماتية الميكافيلية، وهي كلها مفاهيم سياسية. ويمكن رصد هذه الممارسة في السياسة كمفهوم. ولا أتحدث هنا عن "الحقيقة" الأخلاقية المعيارية التي تتباين بتباين المنظور، وإنما عن الحقائق الإمبريقية التي تؤكدها الخبرة.

ربما يمكن قبول البراغماتية السياسية باعتبارها وسيلة لتحصيل أكبر قدر ممكن من المنفعة. لكن ذلك ينقلنا إلى مستوى إشكالي آخر لأنه يضعنا أمام تعريف المنفعة. وفي السياسة، يفترض أن تكون مهمة السياسي، على المستوى النظري، هي تحقيق المنفعة العامة، ولأكبر عدد ممكن من الأفراد الذين يتخذ القرارات نيابة عنهم. لكن الذي يحصل في الأنظمة التوتيلاتارية، ومؤخراً فيما يوصف بالأنظمة الديمقراطية التمثيلية، هو أن السياسي يبحث عن أكبر قدر ممكن من المنفعة لذاته أو للجماعة المخصوصة التي ينتمي إليها، وأولها إطالة أمد القبض على السلطة بادعاء معرفة الأصلح للأفراد والوصاية عليهم. وبهذا، يمكن بسهولة وصم الفرد الذي يقول الحقيقة بأنه غير واقعي، لمجرد "قول الحقيقة في وجه السلطان".

وسأحاول أن أهبط بالأطروحة من مستوى النظرية إلى المستوى العملي. فقد كنت أفكر في "الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي". وكانت الفكرة أن "أفيغدور" و"تسيبي"، و"بيبي" هم أشخاص لا تقول أسماؤهم وألسنتهم ووجوههم بأنهم ينتمون إلى المنطقة، وأن تاريخها وجغرافيتها وديمغرافيتها ولغتها تقول جميعاً بأن هؤلاء ليسوا أصحاب حق في الإقامة هنا على حساب طرد شعب كامل. أليست هذه حقيقة؟! ونهَض في الخاطر سؤال عفوي: "كأنك تقترح أن نرميهم في البحر؟".. وتضمن السؤال اتهاماً لي بأني "غير واقعي"، وربما غير إنساني.. فسألت الخاطر عما إذا كان ما قلته غير حقيقي. وأضفت: "كيف أصبح مسوّغاً لهم، أخلاقياً وقانونياً، أن يرموا بأناس حقيقيين في البحر، بغض النظر عن ماهية هذا البحر؟". وبدا الحوار وأنه سيصبح سوفسطائياً فتوقف.

استوقفني في هذا الموقف سطوة الخطاب السياسي البراغماتي علينا، بدعوى المنفعة المحددة أعلاه، إلى درجة جعلت الكثيرين منا يصدقون أن هؤلاء الغرباء هم أصحاب حق، بالطول أو بالعرض، في 88 % من فلسطين التاريخية، وبأن المطالبة حتى بعودة اللاجئين لمشاركتهم في هذه الأرض، وليس طردهم منها، هي أمر "غير واقعي". وأصبح مجرد النطق بهذه الحقيقة الإمبريقية: أنهم اغتصبوا الأرض ورموا أصحابها في البحر، أمراً غير واقعي أيضاً. وأصبحت الحقيقة، في هذا الشأن بالذات، كلها غير واقعية ولا تنتمي إلى العالم، بسبب هيمنة الخطاب السياسي.

لكن شأن السياسي ليس شأن المثقف الحر –أو الهاوي بتعريف إدوارد سعيد- ولا المؤرخ أو الفيلسوف. إن شغل هؤلاء الأخيرين هو قول الحقيقة، بغض النظر عما هو خارج هذه الحقيقة.. وأعرج هنا بالمناسبة على مفهوم "الحقائق على الأرض" الذي يصف دأب الصهيونية على خلق "وقائع" تهدف إلى تغيير "الحقائق".. ولا أفهم كيف يجعلنا وجود المستعمرات نرى وجودها على أنه "حقائق" في قطع عن السياق العام لحقيقة كونها مستعمرات، وبحيث ننسى أن وجودها "على الأرض" لا يلغي حقيقة أنها غير قانونية ويجب أن ترحل.

أود اقتراح أن يخرج المثقفون من تحت عباءة السياسيين، وأن يشتغلوا بقول الحقيقة، وتكرار قول هذه الحقيقة. وقد برهنت التجربة أن تكرار "الكذبة" يجعلها تبدو حقيقية، ولا أظن أن "أفيغدور" يصف نفسه بأنه "غير واقعي" حين يقترح طرد الفلسطينيين، أو بأنه لا يقول "مطلق الحقيقة". إن الحقيقة والواقعية مفهومان متمايزان لا ينبغي لأحدهما مصادرة الآخر. وقد تقول الواقعية بعدم إمكانية إلقاء أحد في البحر، لكن الحقيقة تقول أيضاً: إن ما جرى في فلسطين هو عملية اغتصاب وتطهير عرقي. والحقيقة أن هذا الفعل غير أخلاقي، ولا أعتقد أن القول بذلك "غير واقعي"، وأن له أي شأن بالتكتيك والاستراتيجية وألعاب السياسة..!

التعليق