محمد البنكي: الموت قبل أن يكتمل الربيع

تم نشره في الخميس 29 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

في الغرفة رقم 325 في مجمع السلمانية الطبي في العاصمة المنامة، قال المريض محمد البنكي: كلَّ صَباح استزيد من صنبور الحياة قوة لمواجهة إرهاقَ السرطان الذي يتخللني.

أضاف وهو يرتدي "البشت" وزوجته أم جاسم تجلس الى جواره:

أجلسُ هنا مُرغما، أتتبع أضواء السماء وزرقتها، وأتساءل، ما جدوى الحياة إن لم نبق أثرا يهز الدواخل الصماء للمرض القبيح وخطوه المتحجر؟!

كان مساء يوم في صيف قائظ في آب (اغسطس) 2008، فبدا "محمد" شاعرا يهز أشجار الحياة المورفة الظلال، وكان يمسك تلابيب المرض الذي هزمه وهو لا يكل عن مقاومة الظلام، خصوصا في شرفات كان يعشق الإقامة فيها.

قال إنه في مزاج إيجابي على الرغم من أنه يقضي أياما طويلة برفقة الملاءات البيضاء والمضادات الحيوية والأربطة المعقمة وأجهزة التخطيط، وقياس الضغط وأنابيب نقل الدم وأسلاك القسطرة.

كان محمد يحلم ويستدعي الشفاء وينازل المرض الذي قال إن "أحداقه لم تغادر أحداقي لكنني لن أُطأطئ له الرأس".

عرفته مثقفا ثقافة غزيرة، وكان يعرف ما يريد وكيف يدير فريق صحيفة الوطن البحرينية اليومية التي أسسها وقادها أربع سنوات.

كان محمد صاحب حس صحافي رفيع وقلم لا يجترح إلا السمو في المعنى، ورحل عن إرث غزير من المحبة والتألق.

قصة محمد والسرطان كانت حديث البحرين بعد أن أعلن للملأ على الصفحة الأولى في "الوطن" أنه مصاب بالداء الخبيث، إذ كتب ما يطوع الحديد ويؤنسن قسوة المرض الذي اشتبك بعدئذ في كل نتاجاته حتى غدا ثيمة أو بكائية في لوحة الحياة.

ترك محمد البنكي لأصدقائه صورا من الشجاعة والمعرفة وكأنها إيقونة الإنسان ضد الفقد الذي يلد الأحلام ليغتالها.

ترك محمد زوجة كانت له "عبلةُ" يطارده حبها في غبشِ الصبحِ وآناء النهار، وكان يلهثُ مسرعا ليعود إلى الركنِ الأقصى في "المحرق" التي قالوا إنها مثل جملة معترضة، لكنَّ لا حياة من دونها.

محمد البنكي في رحيله، واحد من أهم نقاد التسعينيات الذين قدموا رؤية تنبع من فهم واعٍ لهوية الأمة، وتحركوا من خلال تصور واثق يؤمن بقيمة الفن ووظيفته في مخاطبة المشاعر والأفئدة، وتجييش العواطف والأحاسيس بما يجعل المتلقي، شريكاً بالاستجابة والتفاعل.

كان آخر مشواره وكيلا لوزارة الثقافة والإعلام البحرينية، وقبلها مستشارا لوزيرة الثقافة والإعلام الشيخة مي بنت خليفة آل خليفة.

بدأ البنكي حياته العملية بعد تخرجه من كلية الآداب في جامعة البحرين، بالعمل محررا في الصفحة الثقافية لجريدة "الأيام" في 1990 لينتقل بعدها إلى جامعة البحرين التي عمل فيها مديرا لدائرة العلاقات العامة والإعلام.

وأثناء رئاسته لدائرة الإعلام في الجامعة، عمل على إصدار مجموعة من الدوريات الأدبية والنقدية قبل أن ينتقل إلى رئاسة تحرير صحيفة "الوطن" التي حملت بصماته جليا خصوصا في الملحق الثقافي والتحقيقات.

وعمل البنكي لفترة قصيرة مستشارا لوزيرة الثقافة والإعلام الشيخة مي بنت محمد آل خليفة قبل أن يعين في منصب وكيل الوزارة منذ حوالي عام حتى وفاته.

والبنكي معروف في البحرين واحدا من جيل جديد من النقاد الشباب الذين ظهروا منذ أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي والمنتمين إلى تيار ما بعد الحداثة، وأصدر كتابا عن جاك دريدا بعنوان "دريدا عربيا".

[email protected]

التعليق