رويدا رويدا هناك تغير فعلاً!

تم نشره في الجمعة 23 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

في سلسلة محاضرات قدّمتها في مدن أميركية مختلفة، حول أوضاع الشرق الأوسط والمسألة الفلسطينية، كان أهمها مؤخرا في مدينتي دينفر وبولدر في ولاية كولورادو، بدأت أرى عالما أكثر تساؤلا حول العلاقة مع العالم الإسلامي والعربي. في تلكما المدينتين فوجئت بالأعداد الضخمة المكونة من مئات الحاضرين الذين جاءوا للاستماع عن "العالم العربي على مفترق الطرق".

التعطش الأميركي للتساؤل يعكس الفراغ الذي يعيشه الشعب الأميركي بعد حربي العراق و أفغانستان. فالسؤال المبسط الأول الذي سرى مثل النار في الهشيم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 "لماذا يكرهوننا"، بدأ يتراجع الآن أمام سيل من الأسئلة منها "هل قامت السياسة الأميركية بشيء يساهم في الكراهية بين الشرق والغرب؟".

بعد كل محاضرة يأتيني من يتساءل: لا أعرف إلى متى سيبقى ممثلو الشعب الأميركي رهائن للسياسة الإسرائيلية؟ وآخر يتساءل عن الشبان الذين يقتلون من الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق: هل نقاتل هناك من أجل إسرائيل أم من أجل أميركا؟

بدأت أرى في عقول ووجوه الأميركيين، ما يؤكد أنهم بدأوا يسأمون من طبيعة السيطرة التي تمارسها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل على صناع القرار. وكما قال سفير سابق "هناك سيطرة على نظامنا السياسي من قبل أقلية صغيرة من أجل مصالح ضيقة وعسكرية وغير إنسانية، هذا يأخذنا نحو كارثة".

حرب أفغانستان والعراق ثم حرب 2006 في جنوب لبنان ثم حرب غزة في فلسطين، كل هذه الحروب أثارت التساؤلات في الولايات المتحدة عن سياساتها الإقليمية. بل كانت مرافقتي إبان أحد البرامج تكرر على مسامعي "كنت منذ خمس سنوات من أشد المؤيدين لإسرائيل، الآن اختلف الموقف". سألتها لماذا؟ فقالت: "الحرب في العراق وفي أفغانستان وحرب غزة جعلتني أتساءل. يجب أن لا نتدخل هكذا، يجب أن لا نكون مؤيدين لطرف ضد الآخر. لم أكن أعرف في السابق أن إسرائيل تضطهد شعبا آخر، كنت أعتقد أن هذه الأقوال دعاية عربية فقط، والآن اكتشفت أن الأمر ليس كذلك".

هذه التغيرات هي بداية شعور ينتشر بين الأميركيين مفاده أن إسرائيل أصبحت عبئا كبيرا وان احتلالها يسمم العالم العربي والإسلامي، وأن سعيها لمصادرة القدس يفجر الصراع بين الشرق الإسلامي والعربي من جهة وبين الغرب من جهة أخرى.

هناك نمو في الجمعيات الأميركية واليهودية أيضا التي تعي خطورة استمرار الاحتلال في فلسطين. في إحدى الندوات وقفت إسرائيلية من مؤيدي حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني تشرح كم تعاني في إسرائيل من الملاحقة لأنها تقول برأي آخر.

وهناك تنامٍ للشعور بأن مصلحة الولايات المتحدة لم تعد تتطابق مع مصلحة إسرائيل، وأن مصلحة إسرائيل لم تعد تتطابق وعقلية الليكود واليمين المستمر في سياسة الاستيطان ومصادرة القدس.

من جهة أخرى، هناك هجوم كبير على الرئيس أوباما من قبل جماعات الضغط الإسرائيلية التي استطاعت في السابق أن تسقط مرشحين وتبرز آخرين.

ففي قناعة جماعات الضغط مجرد انتخاب أوباما أثار جميع هذه التحفظات والآراء المعارضة بين قطاعات من الشعب الأميركي. فحصول بعض التغير في الرأي العام الأميركي يجعل أنصار إسرائيل واليمين أكثر استعدادا للتصعيد ضد أوباما مع السعي لإيقافه مهما كلف الأمر.

وبينما يزداد الصراع حدة على أرض فلسطين، تزداد حكومة نتنياهو انحدارا نحو اليمين. لكن العالم من جهة أخرى لن يعترف لإسرائيل بالقدس عاصمة موحدة أبدية، ولن يقبل باحتلالها واستيطانها وحصارها وقمعها لشعب آخر.

رويدا رويدا هناك تغير فعلاً. هذه التغيرات قد توصل إسرائيل للحظة صدام مع الولايات المتحدة ومع جزء كبير من العالم الغربي. قد لا يكون هذا في المدى القريب، لكن بوادره في طور التكوين. إنضاج هذه الظواهر يتطلب جهدا عربيا منظما في العالم وفي الولايات المتحدة لا نجده الآن.

*أستاذ العلوم السياسية

بجامعة الكويت

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع مشروع منبر الحرية

التعليق