موفق ملكاوي

زمن "الشريط" الجميل

تم نشره في الخميس 22 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

لم نكن نعلم بزمن قادم، نخسر فيه ذكريات لازمتنا سنوات عديدة، قبل أن تحتلّ "الغرابة" جوانياتنا، وتسرق منّا لحظات، ظنناها ماكثة، ما دامت الحياة تمشي على قدمين.

كنا نتحلق حول مذياع متهالك؛ لنسمع أصوات نجومنا المفضلين؛ "الست"، "العندليب"، فريد، محمد عبدالوهاب، محمد عبدالمطلب وغيرهم.

وعلى وقع "الشرق الأوسط" و"إذاعة العدو"، نُسرِّح مشاعرنا على مرآة "كوكب الشرق"، والهرم الذي لا يمكن أن يتهاوى. نبكي دموعا حرّاقة حين تسأل بلوعة، "أروح لمين؟"، أو حين تعاتب بحرقة، "ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني؟"!

كنا نكفكف دموعنا حين نستمع إلى "الأسمر الوسيم" يصرخ منتصرا لكرامته الجريحة على يد حبيبة ما، "أي دمعة حزن لا لا لا لا"، ونعالج لوعات كثيرة حين نطالع البؤس في صوت القادم من جبل العرب، مصرّحا بخيبات كثيرة وأمنيات يرجو تحقيقها، لكنه لا يلبث أن يعترف بالحقيقة؛ الهزيمة عنوان واضح لـ "الفارس" القادم على حصان خشبي، لم ترتكز قوائمه على أرض صلبة، فينشد من دم القلب قائلا، "عش أنتَ.. إني متُّ بعدك".

كانت الإذاعات ذات الشعبية منقطعة النظير، تأتينا بأصوات أحبائنا كلهم، وتطمئننا على أن الحياة ما تزال مستمرة على كوكب آخر يسمّى "الغرب الإمبريالي".

كانت كوثر النشاشيبي، ضيفة دائمة على حياتنا، تزورنا عصر كل يومٍ، وتسلمنا "رسائل شوق" من أحبة غابت وجوههم، فيما صوت فيروز يأتي، كما لو أنه يصدح من واد عميق، وهي تقول "جايبلي سلام".

بعد حين، سنتعلم أن "التقدم العلمي" أهدانا تقنية جديدة، يمكن لنا من خلالها أن نحتفظ بأصوات الأحبة، بالقدر الذي نشاء؛ جاء "الشريط" السحري ذو اللون البنيّ المحروق؛ صندوق مفتوح من أحد طرفيه ببكرتين بيضاوين، و"سحر" غريب يؤمن بإمكانية "استعادة" أصوات الذين مضوا في الغياب، أو أولئك الذين تفصلنا عنهم القارات باتساعها.

كنا نشتري "الشريط"، الذي علمنا له اسما آخر، في ما بعد هو "الكاسيت"، كل أربعة بدينار واحد، وأحيانا كل خمسة.

لم نفق من دهشتنا، ونحن نكتشف أن أولئك الذين كانوا "يختبئون" في ثنايا الراديو، أصبحوا قابعين باستكانة غريبة في جواريرنا، نشهر أصواتهم متى نشاء، ونسكتها متى نشاء.

تعرفنا بآخرين قدموا على موج الطرب، فغدت وردة الجزائرية واحدة من الأحباء، أما ميادة الحناوي، فقد توجت نفسها ملكة الرومانسية من دون منازع.

كنا نتناقل أخبار أولئك النجوم باستمرار، متسائلين حول آخر إصداراتهم من "الأشرطة" التي كان يطول انتظارنا لها دائما.

في مرحلة لاحقة، أضفنا إلى النجوم الشيخ إمام، مرسيل خليفة، أبو عرب، العاشقين، وفرقا أخرى حفظنا جميع الأوجاع التي باحت بها.

بعد سنوات، صحونا لنستجمع ذاكرة شبه منخورة، ونحن نسأل عن نجومنا، فاكتشفنا أن "شيوعية" غريبة عمّمت نتاجاتهم على كل الناس، عندها اكتشفنا أن اختلافنا عن الآخرين لم يعد قائما، فما كان متاحا لنا وحدنا، أصبح "زاد الجميع" في عصر ثورة المعلومات، التي أوجدت جميع الأغنيات على الشبكة الإلكترونية، إضافة إلى "دي في دي" و"سي دي"، وغيرهما من مخرجات الثورة التكنولوجية.

لكن الإحباط لم يتوقف عند هذا الباب، بل تعداه نحو "نجومنا المفضلين"، إذ اكتشفنا أن عددهم أصبح بالآلاف، وأننا بالكاد نستطيع أن نعدّ بضع عشرات منهم.

"نجوم" لا يملكون من نجوميتهم، سوى الاسم الذي يبدو فضفاضا وكبيرا على "مواهبهم"، بعد أن تبدلت اشتراطات الإبداع من الموهبة والرزانة، إلى "ديناميكية الأداء" والابتذال.

لا بأس من الاعتراف إذن، بأننا نحنّ إلى زمن "الشريط" الجميل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حس وأذن موسيقية بامتياز (حمزة مازن تفاحة)

    الخميس 22 نيسان / أبريل 2010.
    من أجمل ما كتبت صديقي ملكاوي .. فقد عُدت بنا فعلاً إلى ذلك العصر الجميل ..
    المدهش في المقال أنكَ استطعت بطريقتكَ السلسة أن تُوظف عباراتك بأسلوب يتيحُ لكَ أن تتبعها بمقطع من أغنية .. وهذا يعني بالضرورة أنَّ مقالكَ متمساك بعناية فائقة.
    الشي الأهم أنك أنصفتَ الجميع تقريباً ولم تنسى أحدنا من أصحاب الزمن الجميل .. حتى أنني بدأتُ أحاول أن أتذكر أصحاب الماضي الجميل الذي لم تُسعفك ذاكرتك أن تذكرهم(كي أتمكن من الهت عليك) .. لكنني تفاجأت ..فكلما بزع أحدهم في رأسي .. كنت أقرأهُ في السطر الذي يليه .. وراقني جداً أنك ذكرتَ "فرقة العاشقين" ..فأنا متأكد أن كثيراً منا لا يعرفهم ولكنهم من ألمع وأروع الفرق الشعبية التي تغنت بحب الوطن.
    مشكور صديقي الجميل موفق .. وللعلم .. طلتك في الفيس بوك جميلة جداً وقد أضفت للموقع رونقاً اضافياً جميلاً .
  • »زمن جميل (ايمان)

    الخميس 22 نيسان / أبريل 2010.
    لقد عشت هذا الزمن... وانت عبرت عنه كما يجب.... لكني ما زلت احتفظ بذكريات كثيرة من ذلك الزمن... حتى اني احتفظ ببعض الاشرطة القديمة...
  • »مقالة جميلة (محمد بني هاني)

    الخميس 22 نيسان / أبريل 2010.
    اعترف لك سيد ملكاوي انها مقالة جميلة .. .. أنا اعني ان مفرداتها جميلة جدا.. ولكن معناها ينقصه بعض الحقائق
    سوف اعترف لك ان ان التعلق بالماضي بهذه الطريقة هو مرض جميع الحضارات منذ ارسطو.. فالحياة يجب ان تستمر بالحركة.... وكل من يتوقف عند لحظة زكنية معينة هو مريض بحاجة الى العلاج

    الحياة لا بد لها من المسير.... ولا بد لها من تنصب قادة في كل مرحلة تاريخية... لا تحزن يا سيدي على اي شيئ
  • »تاريخ الأحلام (مرام أحمد)

    الخميس 22 نيسان / أبريل 2010.
    أذكر ذلك الزمن
    كنت صبية أحلم بالحب يأتيني على سحاب أغنية رومانسية..
    يا سيد ملكاوي لقد اعدتني الى زمن جميل جدا جدا.. كل الشكر لك.. فأنت نبهتني ان الزمن لم يمضي كثيرا ..... وان الحياة ما زالكت على عتبة البيت بانتظار من يقرع الجرس..
    شكرا ل
  • »حنين الى الماضي (مايا جميل اليافي)

    الخميس 22 نيسان / أبريل 2010.
    أعدتني بهذه المقالة الى الماضي الجميل...الماضي الذي لم أفتأ أذكره وأحاول رسم خيالاته في أذهان ابنتاي...فأنا حزينة جدا عليهما وعلى كل هذا الجيل لانه لم ولن يستمتع بلحظات يصعب وصفها...ذكريات صنعتها لنا الات واشيا لم تعد موجودة في زمن السرعة هذا...كلمات معبرة تنعش قلوبناتصدر من مذياع واشعارنقرؤها من كتب اضحت الان مهجورة...سهرات ليليةصيفية على صوت أم كلثوم..ولقاءات حول المدفأة(البواري) مع ابريق شاي عليها وحب يملؤ المكان ويدفء قلوبنا...لم نكن نشعر بالبرد وبقسوة وجفاء الايام لان الحب كان مجانا توزعه الايام بتفاصيلهامجاناوبدون طلب...سقى الله تلك الايام ولاحرمنا من التمتع بسعادة ذكرياتها وعسى الله ان يعوض الجيل الجديدبشيء يبقى في ذاكرتهم ليقصوه لابنائهم يوماز
  • »أكثر من الشريط (فاتن أ)

    الخميس 22 نيسان / أبريل 2010.
    ألم تتذكر من ذلك الزمن سوى الشريط العجيب!!
    هناك ما هو أكثر من ذكريات المطربين المفضلين.. هناك زمن كامل من البهاء كنا نسبح فيه... براءة متناهية كنا نعيشها في كل لحظة.
    لا ألومك لأنك لم تتذكر سوى الشريط البني لتصف به زمنا كان أبهى من يقارن بزمن اخر. زمع ذلك لا املك الا ان اشكرك لانك اعدتني الى ذلك الزمن...
    شكرا لك سيدي