جمانة غنيمات

ألغامٌ زرَعها غيابُ العدالة

تم نشره في الأربعاء 14 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

حادثة قتل الطالب الجامعي في السلط لا يمكن أن تكون مفاجئة بالنسبة إلى المراقبين، ولا هي مفصولة عن السياق العام الذي يعيشه البلد منذ فترة، فهي إحدى المشاكل التي تتفجر في مجتمعنا بشكل متتال على اختلاف تصنيفها.

فمن ضرب الأطباء والممرضين والمعلمين ورجال الأمن، إلى عنف الجامعات، وصولا إلى العنف ضد النساء والأطفال، وليس انتهاء بحالات الفساد التي تم الكشف عن بعضها، فيما الحديث عن حالات أخرى ما يزال من دون أي إجراء.

لو عدنا إلى الوراء، لوجدنا أن حكومات متعاقبة عديدة، قيدت في سجلها عددا لا بأس به من قضايا شغلت الرأي العام، منها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

تكرار هذه المشاكل مرده غياب الرؤية الرسمية في التعاطي معها، ما يسهم في تفريخها من دون النجاح في التخفيف منها، أو حتى ضمان عدم تكرارها، وكأن البلد باتت حقل ألغام، فما إن ينفجر لغم حتى يتبعه آخر، وسط عشوائية تحكم التحرك نحو الحلول التي يغلب عليها أسلوب الفزعة.

وما دمنا نحل المشاكل بعيدا عن تطبيق القانون بشكل يعيد الهيبة للدولة، فليس مفاجأة أن يستمر تفجر هذه المشاكل بين الحين والآخر، لا سيما أن أدوات العلاج محدودة وتتجنب تطبيق القانون وضمان سيادته كأساس لمحاسبة المخطئين والمتجاوزين.

علاج أي مشكلة مهما كبر حجمها، غير ممكن إلا بتشخيصها والوقوف على أسبابها، ومن دون ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة، وستبقى هذه المشاكل قابلة للاندلاع في أية لحظة، طالما أن الحكومات المتعاقبة لم تتوصل لقناعة بأن إطفاء مثل هذه المشاكل التي تحرق المنجزات وتؤخر التقدم، غير ممكن إلا باستعادة هيبة الدولة بالقانون الذي يطبق بعدالة على الجميع من دون أي تفرقة أو تمييز.

المشكلة الحقيقية ليست النزاعات التي تحدث مرة هنا وأخرى هناك، وتتسع لدرجة يصعب معها السيطرة عليها، فالأسباب الظاهرية التي تساق كل مرة لتبرير ما يحدث ليست جوهرية وغير حقيقية، كون ما يقف خلف مثل هذه الأحداث، ليس إلا السياسات والإجراءات التي اتخذتها الحكومات ومارستها على مدى عقود.

فكل الأسباب والمبررات ليست واقعية، في حال غضت الطرف عن قانون الصوت الواحد الذي يكرس العشائرية بمعناها الضيق، وقانون الاجتماعات العامة، وتناست في غمرة الارتباك واقع الحياة السياسية، وأوضاع الأحزاب المحزنة وما آلت إليه.

ومثل هذه الألغام ستبقى تنفجر طالما أن ثمة ضعفا في العقوبات المفروضة على من يخطئ، وطالما بقينا نهمس بقضايا الفساد، والعمولات، في وقت نعاني فيه من تراجع الحريات العامة، وفراغ فكري لا نعرف له حدودا.

ما يحدث في الأردن ليس نتاجا لأفراد وشباب جهّال، بل هو نتيجة طبيعية لكل ما سبق، وللتراخي الحكومي والرسمي في إعادة سطوة القانون، وجعل العقاب من نوع الخطأ، فالقاتل لا تمضي عليه سنوات إلا ويكون حرا طليقا، والفاسد يخرج ويتمتع بفساده ولو بعد حين.

انتزاع الألغام قبل أن تتفجر وتصيب في مقتل، يتطلب إجراء مسح شامل وعميق لحقل الألغام هذا، وكاسحات الألغام المطلوبة ليست إلا سطوة القانون وتطبيقه بعدالة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اللا عدالة ... مرض العصر (عزة الحاج حسن)

    الأربعاء 14 نيسان / أبريل 2010.
    جوووومااااااااناااااااااااا..... المقال كثير حلو وقيّم و انت فعلاً حطيتي ايدك على الجرح يللي بتعاني منو كل حكوماتنا العربية ... بس الأحلى من المقال هو صورتك لأن من زمان ما شفتك ... سلام
  • »السلط ام الصومال (ابو السعود)

    الأربعاء 14 نيسان / أبريل 2010.
    تجاهل الحكومه غير المبرر (وليست هذه الحكومه فقط ) لهذه الاحداث بل الظواهر وعدم صدور بيانات رسميه, تشعرنا بأن الامر يحصل في الصومال وليس في قلب الوطن
  • »لا فائده (د.عدنان ابو سيف)

    الأربعاء 14 نيسان / أبريل 2010.
    ان المطلع على الاوضاع والدارس للامور من قلب الحدث يقول واقول كذلك لافائده من الكتابات والشرح لان كل ذلك ليس له فائده تذكر سوى النفخ في بوق وسط صحراء فمهما كتبنا سيبقى الحال على ما هو عليه واسوأ وسنرى من الاوضاع ماهو اسوأ والعن لانه سوف لن نستطيع ان نقاوم ما هو ات لقد وصلنا الى نقطه ان امرنا ليس بايديناوشكرا للاخت جمانه على ماتقدمه .
  • »رائع (اسامة طلفاح)

    الأربعاء 14 نيسان / أبريل 2010.
    رائع وواقعي ومنطقي للغاية
    مقال جميل جدا اتمنى ان يقرأ ويتابع هذا المقال صناع القرار ليضعوا النقاط على الحروف ويعالجوا هذه القضية التي أصبحت تؤرق المجتمع والتي هي أساساً مقدمة لخراب النظام الاجتماعي في الأردن