هل لدينا رجال دولة؟!

تم نشره في الثلاثاء 6 نيسان / أبريل 2010. 02:00 صباحاً

يشكل رجال الدولة النخبة المستقلة من بناة الدولة الوطنية الذين تمت تنشئتهم على فكرة سيادة الدولة المدنية التي تبنى بالقانون وتحرس بالقيم الكبرى.

وتمثل عادة هذه الفئة، التي خرجتها الدولة، المرجعية الموثقة والخبيرة التي يعود إليها المجتمع والدولة معا في اللحظات الغامضة والصعبة، حينما تنتصر هذه الكتلة التي تتجاوز مفهوم النخبة التقليدية لفكرة الدولة الوطنية وقيمها في رد غلواء الحكومات ونزق النخب السياسية وحتى تهور المجتمعات.

ولأن هذه الكتلة العابرة للمدارس السياسية، هي المعنية قبل غيرها بحماية العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، يفترض ان تقف في المنطقة الوسطى بين المجتمع والدولة، وأحيانا الى يسار الحكومة والى يمين المجتمع، فالنساء والرجال الذين منحهم المجتمع ثقته على مدى سنوات طويلة والذين مكنتهم الدولة حق التمثيل أو ممارسة الولاية العامة لا يتقاعدون، بل لديهم مهمة دائمة في معظم المجتمعات، ولا يمكن تصور مجتمع يدفع نحو التقدم والنهوض المستمرين من دون دور حقيقي لهذه الكتلة وهو الدور الذي يمثل صمام الأمان.

هذه الكتلة حتى تنضج، يفترض فيها أن تتجاوز الصراعات السياسية المحلية وان تبتعد عن ذهنية الشلل والصالونات السياسية والدواوين والحكومات أيضا، وان يمثل أعضاؤها الجميع حينما يبادرون أو يطلب منهم إسماع الدولة والمجتمع صوتهم.

يفترض ان ننتظر من رجال الدولة، ونسائها أيضا، ان يكونوا بيوت خبرة حقيقية يمدون مؤسسات الدولة بالنصيحة والمشورة والرشد والحكمة، وأن يلتفوا حولها في الظروف الصعبة حينما تلم بها، وان يشيروا إلى مواقع الفساد والمناطق الرخوة في بنية المؤسسات وفي سلوك النخب الحكومية ومن هم على هامشها بجرأة ومسؤولية، بل أن يكونوا بيوت حكمة قبل أن يكونوابيوت خبرة.

فتح النشاط السياسي للدولـة هنا، خلال العقود الماضيـة، الباب واسعاً أمام عوامل تغيير الولاء السياسي للجماعات والجهات والأقليات والقبائل لصالح الولاء للنظام السياسي، كذلك تخلت تلك الفئات تدريجياً عن وظائفها التي تتمتع بها لمصلحـة الطبقات والحكومـة معاً، وفي الدرجـة الأولى لمصلحـة أبنائها الذين دخلـوا أطـر النخب الحكوميـة، إذ يظهر التعبير عن التغير في مضاميـن الولاء والهويـة أثناء التحولات السياسيـة وأثناء عمليـة التجنيد السياسي، وحينما تتاح الفرصـة للتعبير السياسي المباشر.

لكن تلك التحولات، للأسف، لم تشمل بناء علاقة مرجعية راسخة مع الدولة بمفهوميها الوطني والمدني، فهم كانوا أبناء الحكومات ونخبها السياسية التي ربما تتحول إلى شلة سياسية مصلحية بعدما تتقاعد، بدل أن تصبح إضافة نوعية إلى مجتمع رجال الدولة.

خلال عام شهدت البلاد عدة أزمات؛ بعضها عابرة للحكومات، ما يدل أنها مرتبطة ببعض المواقع الرخوة في بنية الدولة والمجتمع، وبعضها مرتبطة بسلوك الحكومات. وعلى المستويين لم نشهد حضورا فاعلا جريئا لرجال الدولة إلا أصوات محدودة جدا، وبعض هذه الأصوات تعودنا أن نسمعها مجرد امتداد لصوت الحكومات وجزء من دعايتها الرسمية.

في أزمة العنف الاجتماعي في الصيف الماضي، كما هو الحال في ضعف أداء مجلس النواب السابق، وصولا الى أزمات التعليم، وآخرها الأزمة الاحتجاجية للمعلمين، لم يسجل حضور أو أصوات جريئة من النخب السياسية من خارج الحكومات، أو من نسميهم رجال الدولة. وفيما تستمر ظاهرة الانسحاب من الحياة العامة تتراجع القدرة على الإحلال والتجدد.

التعليق