د.باسم الطويسي

قتل الأطفال بالفؤوس

تم نشره في الثلاثاء 30 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

الجرائم البشعة التي كشف عنها تقرير منظمة "هيومان رايتس وتش"، ارتكبت في قرى شمال الكونغو من قبل الجماعة الأوغندية المتمردة التي يطلق عليها اسم (جيش الرب)، تفوق في بشاعتها جرائم جز الرؤوس بالسيوف مئات المرات، لكن الفرق المؤلم بأن جرائم قتل الأطفال بالفؤوس لم يلتفت إليها الإعلام العالمي، ولم تصل إلى قمة سلم أولويات أجندة وسائل الإعلام، ولم تكتشف إلا بالصدفة.

يحمل تقرير المنظمة العالمية لحقوق الإنسان التي عادة ما تزدريها دول العالم النامية والصادر بعنوان (درء الحرب) صورة بشعة تصل الدرك الأسفل من الممارسات المعادية لآدمية الإنسان وقيم الأديان كافة، كما يحمل هذا التقرير وسائل الإعلام العالمية والاقليمة مسؤولية مهنية وأخلاقية بل فضيحة؛ حينما عجزت عن متابعة هذا الملف عن كثب ومتابعة تداعيات الصراع في وسط أفريقيا الممتد منذ أكثر من ثلاثين عاما.

كشف التقرير عن جرائم ارتكبها مقاتلو هذا التنظيم المتحرك عبر الحدود بين أربع دول حصدت أرواح نحو 350 ضحية معظمهم من الأطفال في سلسلة من القرى في شمال الكونغو قتل معظمهم إما بالفؤوس التي يستخدمها هؤلاء المتمردون أو بالحرق أحياء.

الفاجعة الأخرى أن هذه الجرائم، التي ارتكبت في كانون الأول الماضي، لم تكتشف إلا بعد مرور نحو ثلاثة شهور، يحدث هذا في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فيما العالم يعاني من تخمة إعلامية ومن تدفق للمعلومات لا يقوى على الوقوف في وجهها أحد.

الفاجعة الثالثة تتمثل في الطريقة التي وصلت فيها المعلومات إلى منظمة (هيومان رايتس) ودفعها إلى تقصي وكشف هذه المذبحة، حيث تعاني آلاف القرى التي يتحرك فيها متمردو (جيش الرب) من فقر مدقع في البنى التحتية ووسائل الاتصالات والمواصلات، ما دفع احد المواطنين للسير مشيا أكثر من 60 كلم للوصول إلى جهازهاتف كي يتصل مع اقرب مكتب للمنظمة العالمية.

ليست هذه الجريمة الوحيدة لهذه الجماعة التي تحارب لإقامة حكومة دينية في أوغندا تعتمد على الوصايا العشر، فقد زرعت هذه الجماعة الرعب في السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى إلى جانب جمهورية الكونجو الديمقراطية. ويتهم جيش الرب بخطف الأطفال وهم بين ذويهم أو في صفوف الدراسة وإجبارهم قسرا على الدخول في التنظيم العسكري. كما يتهم أيضا بممارسة الرق ضد سباياه من البنات واستغلالهن جنسيا. ويتهم كذلك بالإبادة الجماعية للمدنيين والنهب والسلب وبتر أيدي أسراهم وسمل أعينهم وقطع آذانهم.

يعود ظهور هذا التنظيم إلى عام 1989، ويتولى جوزيف كوني رئاسة التنظيم، وعلى الرغم من المطاردة الدولية والإقليمية والمحلية التي تحيط بالرجل من كل جانب منذ أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية طلبا بحقه وستة من قادة حركته للمثول أمامها بتهم جرائم الحرب والإبادة الجماعية إلا أن أحدا لم يستطع الوصول إليه ولا حتى معرفة مكان وجوده.

مما يتردد في التقارير الإفريقية والغربية حول هذا الملف أن عقيدة هذه الجماعة المتطرفة تصل إلى حد وصم بعض قادتها بالنبوءة، بينما يشتبك الغموض حول المسار السياسي للجماعة، حيث اتهمت الحكومة السودانية بإيواء الحركة في وقت سابق ما برر دخول القوات الأوغندية في جنوب السودان فيما يشار اليوم إلى وجود للتنظيم في دارفور، كما يشار إلى الطريقة التي يستخدم فيها الرئيس الأوغندي صراعه مع هذه الحركة للحصول على المزيد من التنازلات من الدول الإقليمية والمزيد من الدعم من الدول الغربية. آذان العالم الطويلة جدا لا تسمع إلا حينما تريد، فاؤلئك الأطفال الذين قتلوا بالفؤوس أو حرقوا بالنار هم خارج التغطية الإنسانية، كما هي بلادهم التي صاغت ثرواتها جانبا من مستقبل العالم خارج أشكال التغطية الأخرى كافة.

[email protected]

التعليق