هاني البدري

شريط الأخبار

تم نشره في الاثنين 29 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

توهمت كما فعل كثيرون غيري أن أزمة حقيقية تواجه إسرائيل لأول مرة في تاريخها وبهذا الحجم مع الكبار غرباً، وخيل لي أنها "وقعت" بين واشنطن وتل أبيب مؤخراً ولن تقوم للتحالف (الأعمى) بينهما قائمة بعد الآن.. هكذا فهمت من الشريط الإخباري الذي تذيل به كل الفضائيات أسفل شاشاتها.

نحن العرب نتحرق لاصطياد خبر يطلق العنان لفرحة مكبوتة فينا خلال ذلك الشريط المتحرك أبداً.. "نتنشق" رائحة خبر يشمتنا بأعدائنا، أو على الأقل ينعش أملنا بأننا ما نزال نحس أو أننا ما نزال واقفين على أقدامنا وفينا بقايا نفس لنسعد بأزمات أعدائنا وعثراتهم، ننتظر أن يظهر ذلك الخبر الغائب ولا يفعل.

نتوه بين التركيز على مشهد درامي في مسلسل أو تصريح لمسؤول أو خطاب لزعيم عربي، ومحاولة التقاط عناوين الشريط.. تتوه عيوننا ونفقد تركيزنا لنكتشف أن لا التصريح ولا الخطاب، ولا حتى المشهد الدرامي، بأرحم من الشريط الإخباري.

"نتنياهو: القدس عاصمة وليست مستوطنة"، "نتنياهو يغادر البيت الأبيض بصمت"، "أوباما ونتنياهو يحاولان تبديد التوترات الأميركية الإسرائيلية"، "مستمرون في بناء المستوطنات"، كل ذلك في شريط واحد على مدى دقيقة.

إذن، أين الأزمة والعلاقات التي في أسوأ أحوالها وإسرائيل تتجاهل بان كي مون ولا أحد في استقباله ومكالمة كلينتون التوبيخية وتسعون دقيقة صعبة في البيت الأبيض. أي الشريطين كاذب!

أخيراً.. مر شريط طويل أمام أعيننا بالحقيقة الجلية (كعين الشمس).. "نتنياهو كسب معركته الثانية ضد أوباما و13 مطلباً أميركياً أفشلت محادثات واشنطن"، لا خبر على الإطلاق "يفش القلب"، حتى مساعينا وإنجازاتنا ومراكزنا في العالم واختراعاتنا ومبادراتنا لا مكان لها في شريط الأخبار (أقصد إن وجدت). أما التنازع والتطاحن وحرب التصريحات العربية وشبهات الفساد وغسيل الأموال والانتهاكات وضم الحرم وملحقاته، وإسرائيل تجاهر بخروجها عن القانون الدولي وجوازات
سفر مزورة.. فتابع ولا حرج!

اكتشفت أن شريط الأخبار هو أيضاً رهين عصر القوة الذي يفرض مفرداته وأخباره وتحليلاته وعناوينه وحتى موجبات التفاؤل والإحباط فيه، على كل ما يحيط بنا، وإلا فما الذي يهوي بشعبية أوباما الى هذا الحد تزامناً مع أزمة واشنطن تل أبيب "على ذمة الشريط الإخباري" وبعد خروج نتنياهو من خطابه أمام لجنة الشؤون الإسرائيلية الأميركية "إيباك"! ثم أتى قانون الرعاية الصحية لينقذ بعضاً من شعبيته المأزومة.

ومن الذي أخرج التصريح البريطاني (الباهت) من أزمة جوازات السفر المزورة حين اعترف مسؤولون بريطانيون (سرياً) بأن طرد الدبلوماسي الإسرائيلي ربما يؤثر في العلاقات، لكنه لن يؤثر على نشاط الموساد في بريطانيا. وقتها "رجا" وزير الخارجية البريطاني إسرائيل "عدم استخدام أوراق ثبوتية بريطانية مجدداً في مثل هذه العمليات" أما في غيرها فربما.

ما يزال الشريط الإخباري يعبر الشاشة بحركة تبدو وكأنها انتزعت من الأخبار روحها، فأصبحت تعدو أمام أعيننا كالروبوت، لا جامع بين كل هذه الأخبار سوى أنها جميعها محبِطة وتدعو للاكتئاب، وإلا فماذا يجبرنا على أن نتجرع صفعات البيانات العربية الصادرة عن رحم التصدعات والغيابات وأزمات اللحظات الأخيرة، والمحاضرات الخمس نجوم.

فيما "نتسمر" أمام الشريط، ما تزال إسرائيل تحافظ على أرفع مستويات لياقتها البدنية وقدراتها التخاطبية مع العالم، ترد على أزمة واشنطن المفتعلة باستفتاء على شعبية أوباما وإشغاله بإخفاقات عديدة أمام الجمهوريين، وتصف، عبر أعضاء كنيست، بريطانيا بأن لها "أكثر من وجه"، (ولن تفلت لندن من فعلتها). وترد على فضيحة (دبي المبحوح) بحرب جواسيس واختراقات أمنية "آن أوان الاعلان عنها"، وتنهي شريط الاخبار لهذا المساء بـ"نتنياهو بعد زيارة غير مجدية لأميركا.. لا تغيير في السياسة الاسرائيلية تجاه القدس".

إسرائيل لكِ أن تخاطبي العالم كما تشائين عبر شريط الاخبار، افعلي ما يحلو لكِ.."احردي" على مسلسل تركي، ثم شدي بكلتا يديك و(لوبياتك) على الادارات الاميركية والاوروبية، وضيقي الخناق على البيت الابيض والاليزيه والتن داونينغ ستريت كيفما اتفق، وغازلي من تشائين من العرب أو الفلسطينيين ورشي على موتنا سكرك، حتى نغيب الى الابد عن أي مكان محترم بين الامم أو حتى في مضمون خبر ينفخ فينا بعضا من روح وسط شريط الاخبار.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إنت حر (خديجه)

    الاثنين 29 آذار / مارس 2010.
    انت حر أمام شمس النهار
    انت حر أمام قمر الليل وكواكبه
    وأنت حر حيث لا شمس ولا قمر ولا كواكب
    بل انت حر عندما تغمض عينيك عن الكيان الصهيوني بكليته
    ولكن انت عبد لمن تحب..لأنك تحبه..وأنت عبد لمن يحبك..لانه يحبك فهذا أكبر دليل بأننا(ما زلنا نحس)
  • »النهوض من الغفلة.. (محمد زكري)

    الاثنين 29 آذار / مارس 2010.
    بعد الشكر الجزيل للكاتب البدري الذي عبّر بكلماته الجادة عن انشغال شارعنا العربي بتلك التداعيات والتصريحات والملاقفات التي يتلاقفها ذاك الشريط الاخباري او تلك السلسلة الاخبارية العاجلة التي تتوالى عبر الفضائيات الاخبارية فينشغل بها الكثيرون ممن يُعلقون آمالهم باستنتاجات متبلورة من وراء الخبر.. فماذا جنينا من كل هذا او ذاك؟ حتى باستنتاجاتنا او اكتشافاتنا ماذا حققت لنا؟
    فإنني ادعو الجميع بقلمي البسيط بتجاهل تلك الملاحقات والنهوض من الغفلة، واتوجه للمستقبل الواعد بالعلم والبناء والجهد والاخلاص والوفاء وتأصيل العقيدة وزرع الايمان، حينها إن اخلصنا نهضنا وانجزنا وسرنا إلى الامام..
  • »الأستخفاف بعقول العرب (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الاثنين 29 آذار / مارس 2010.
    ربما كنت حذرا اكثر منك في هذا التصادم المتعمد مع سيق الأصرار بين العاشقين الأمريكي والأسرائيلي ..فكرست جل وقتي لمتابعة أخبار مؤتمر القمة في ليبيا ..ويجب أن اقول بأنني كتبت حين انعقاد المؤتمر بأنه يولد في غرفة الأنعاش ..وألف رحمة على الفأرالذي تمخض من معظم قادتنا العرب فقد مات بعد الولادة مباشرة ...فلا تتحسر على فهم عربنا للحرب الكلامية بين وشنطن وتل ابيب ..انها مسرحية ، ومخرجو هذه المسرحية هم الأشاوس رجال البنتجون الأمريكي ، وعميل الأنجلوساكسيين البيض للتهريج والأستخفاف بعقول العرب ..فانظر ما فعلوه معظم القادة العرب في ليبيا
  • »من يهن يسهل عليه الهوان! (Abdullah)

    الاثنين 29 آذار / مارس 2010.
    والله يا أستاذ هاني انو الواحد و للأسف بيضحك

    أي أزمة هاي اللي بنحكي عنها!! كلها دعاية لأنهم عارفي انو احنا العرب و كالعادة راح ننسى الأهم (القدس و المستوطنات و غزة) و راح نكيف على "أزمة إسرائيل و أمريكا"!!

    يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
  • »سبعة ايام (الدمشقي)

    الاثنين 29 آذار / مارس 2010.
    ربما يجب كل فترة ان نتذكرة مقالة السبعة ايام
    سبعة ايام من عودة نتياهو من البيت الابيض وسبعة ايام بعد انتهاء القمة العربية المنسخوة عن القممة السابقة وسبعة ايام من ظهور الشريط الاخباري
    المفرح المبكي وسبعة ايام وننسى كل هذه الافلام التركية الهندية.. التي نستمتع بمشاهدتها فما عليك سيدي البدري سوى ان تنتظر سبعة ايام وتنسى كل شئ
    شكرا لك
  • »مقال عزمي بشاره (امجد ابوعوض)

    الاثنين 29 آذار / مارس 2010.
    هنالك مقال لعزمي بشاره على الجزيره نت , اقرأه ,