صعود اليمين يهمنا كعرب.. لأننا نواجهه!

تم نشره في الأحد 28 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

اليمين المتطرف في الغرب قادم كقوة سياسية.  فقد فاز حزب "الحرية" المعادي للعرب والمسلمين في هولندا، بين مؤشرات أوروبية عديدة مماثلة.

اسمه حزب "الحرية"..! وهذا يذكرنا بمقولة فولتير الشهيرة "أيتها الحرية.. كم من الجرائم ترتكب باسمك!".

وعلينا ألا نستغرب من صعود اليمين المتطرف في أوروبا.. أوروبا التي حاربت طويلاً لتبقى "ليبرالية" و"منفتحة"، فالأوروبيون يشعرون اليوم أنهم مهددون في عالم اليوم: مهددون بعرب ومسلمين يهاجرون إلى بلدانهم لأن الأوروبيين ، بسبب تطورهم و"ترفههم" الحضاري أصبحوا لا يميلون إلى العمل، وذلك بعد أن بشروا العالم طويلاً بقيمة العمل والإنتاج، ويريدون من يقوم عنهم بذلك. إنهم، وهنا سر تناقضهم ونفاقهم، يريدون ولا يريدون..!

الأوروبيون يريدون عمالة رخيصة قادمة من وراء البحار، ولا يريدون من يشاركهم في مجتمعاتهم بثقافة أخرى مغايرة، وهذا هو الجزاء التاريخي العادل لاستعمارهم لبلدان "ما وراء البحار" وعملهم فيها أيام السيطرة والقوة والحيوية وفرض ثقافتهم عليها، لذلك نرى الفرنسيين، مثلاً، يمنعون "النقاب" قانوناً، هذا بينما تكشف الانتخابات الأخيرة في فرنسا عن صعود اليمين المتطرف.

بعد إقرار ذلك، علينا ألا نغض الطرف عن أن مهاجرينا يعرضون حياتهم لأهـوال البحر، هرباً من الأوضاع الحالية لبلدانهم "العربيـة المسـلمة" التي "ناضلـت" طويـلاً ضد "الاستعمار" "الأوروبي الغاشم"..!

ثم إن الأوروبيين "مرعوبون" من صعود وضغط تركي، يبلغ تعداده ثمانين مليوناً من البشر! يعمل على دخول الاتحاد الأوروبي، وهم منقسمون بين معارض ومؤيد. ويقال إن "الفاتيكان" يعمل على إبعاد هذا "الثقل الإسلامي" عن أوروبا ذات الجذور المسيحية. إذ يتبين للبعض من المؤشرات التركية أن "علمانية" أتاتورك كانت غطاءً واهياً غطى وجه تركيا لبعض الوقت، وأنها عائدة إلى إرثها الإسلامي الذي قد يبقى متعايشاً مع علمانية الجيش.. أو ينقض عليها!

إنه انبعاث "الخطر" العثماني من جديد الذي اخترق، في الماضي، العمق الأوروبي وصولاً إلى أسوار ?ينا..!

ويتساءل المرء أي مصلحة للأرمن وأرمينيا في قرار لجنة الكونغرس الأميركي باعتبار ما حدث للأرمن أواخر الدولة العثمانية مسألة "إبادة جماعية". ويبدو الأمر تنبيهاً إسرائيلياً، من خلال الكونغرس الأميركي، لتركيا بألا تذهب بعيداً في دعمها للفلسطينيين، وإن ظلوا تحت الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على صدورهم منذ عقود، وهذا يضعنا وجهاً لوجه حيال ما يكرره جهاد الخازن: بأن الكونغرس الأميركي أكثر "ليكودية" و"إسرائيلية"من البرلمان الإسرائيلي.. ذاته!

والأوربيون، ومعهم الأميركيون، إضافة إلى "الخطر" العربي– الإسلامي يواجهون صعود قوى آسيوية "صفراء" و"سمراء"، كالصين واليابان والهند، بما يشير إلى أن القرن الجديد، لم يعد بالفعل كالقرون السابقة، "زمن سيادة الرجل الأبيض"!

وعلى الرغم مما كتبه المفكرون العرب ضد نظرية هانتنغتون في "صدام الحضارات" فعلينا الاعتراف بأن "الظاهرة" ليست بعيدة عن الواقع.. وإن كان المأمول ألا تتحول إلى واقع قائم ومتطاول.

على الجانب الآخر من الأطلسي، أعني الولايات المتحدة، حيث وصل رئيس "ملون" لأول مرة في تاريخها إلى سدة الرئاسة؛ مزيحاً، بحزبه الديمقراطي شبه اليساري وشـبه الليبرالي "المحافظين الجدد" الذين وجهوا إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن وسيطروا عليها، نقول تعتمل هناك، ضد وصول الرئيس "الملّون" تيارات مضادة قد تطفو إلى السطح في الانتخابات التشريعية والرئاسية الأميركية المقبلة.

ونقرأ في تقارير وكالات الأنباء أن مجموعات اليمين المتطرف قد تزايد عددها ثلاثة أضعاف عما كان عليه.  يُعزى إلى هذه الزيادة "انتخاب أول رئيس أسود في تاريخ البلاد، والأزمة الاقتصادية " (الحياة (6/3/2010) - الصفحة الأولى) .  وطالما أن الباب قد انفتح لوصول رئيس من غير الـ wasp  أي البروتستانت البيض ذوي الأصول الأوروبية ، فليس مستبعداً أن يحاول مرشح يهودي أو "هسبنك". وإذا ما وصل رئيس يهودي إلى البيت الأبيض فسيكون لكل حادث حديث بشأن موقف أميركا من "السلام" في الشرق الأوسط  و "الحقوق" الفلسطينية.  هذا مع عدم استبعاد احتشاد القوى البيضاء من البروتستانت البيض لاستعادة الرئاسة التي فقدوها للمرة الأولى في التاريخ.

العرب معنيون بمثل هذه التطورات، فقد دفع "المحافظون الجدد " جيش بلادهم إلى غزو بلد عربي واحتلاله، كما أنهم معنيون بصورة أعمق لأنهم يواجهون صعوداً لحكومة يمينية في إسرائيل تعمل على إجهاض خيار السلام الذي اختاروه لأول مرة في تاريخهم، وبعد تجارب مرة أهدرت فرصاً كثيرة للتنمية والتطور الديمقراطي في الكثير من بلدانهم.

وقبل الحديث عن "يمين" و "يسار" في إسرائيل لابد من القول إن ثمة مشكلة بين الإسرائيليين وأنفسهم، وليس مع الفلسطينيين أو العرب أو العالم. هذا مع عدم التقليل من الخلافات الفلسطينية والعربية، أو تأثير المصالح العالمية.

إن الإسرائيليين، جميعاً، يتملكهم خوف شديد من أن يتم إرسالهم، ثانية، إلى أفران الغاز كما فعل النازيون بهم في "الهلوكوست"!  وهم في خوف شديد من صحوة عالم عربي عملاق قد يواجهونه بعد عقود من السلام.

وعندما يتملك الخوف أي مجموعة بشرية فلن تستطيع التصرف بعقلانية. وما سباقات التسلح في التاريخ وفي عالمنا المعاصر، إلا مظاهر متكررة لهذا الخوف.

لابد أن يدرك المعنيون بحل مشكلة الصراع العربي – الإسرائيلي المستعصية لعقود وحتى الآن ، أن عامل "الخوف" وفقدان الثقة بالنفس وبالآخرين لدى الإسرائيليين عامل يدفعهم إلى التطرف لتحصين أنفسهم حيال "الخوف" الذي يعيشونه، ولا نتوقع حلاً لهذه "العقـدة النفسية" لديهم في المستقبل المنظور ، طالما أن الدافع الذي يسيطر عليهم هو "الانفصال" وليس " الاندماج " في المحيط البشري الذي يعيشون فيه.

حاول ذلك إسحاق رابين من قبل.  وهو العسكري المقاتل الذي ظل سحابة عمره يحاول إذلال العرب وهزيمتهم .  وعندما تجرأ على ما يخاف منه الإسرائيليون تم قتله.  وبعد قتله لم يتقدم أي قائد إسرائيلي لقيادة شعبه نحو سلام حقيقي.  ونحن نرى الآن كيف أن حزبه ، حزب العمل ، يتفتت اليوم حيال الموجة المعاكسة.

لا نتحدث عن اليمين من وجهة نظر يسارية.  وإنما هي محاولة توصيف لظاهرة تمسنا وعلينا أن ندركها. 

ويواجه العرب من داخلهم انبعاثاً لـ " يمين متطرف " يعتمد التكفير والعنف خارجاً عن نهج "الاعتدال" والانفتاح والتسامح الذي عرف به الإسلام وأسس عليه حضارته.  وهذه مشكلة تتطلب نظراً وافياً وتحتاج إلى معالجة قائمة بذاتها.

*كاتب عربي من البحرين

التعليق