حديث جلالة الملك ومنظومة القيم المؤملة

تم نشره في الجمعة 26 آذار / مارس 2010. 04:00 صباحاً

من ضمن الرسائل العديدة التي تضمنها حديث جلالة الملك مع رؤساء تحرير الصحف الاردنية، كان واضحا اهتمام جلالته بمأسسة منظومة قيمية في تداولاتنا العامة تسمو على سلوك "من لا يوافقني الرأي فهو عدوي وهدف سياسي مستباح"، والتي نشهد بعضا من ارهاصاتها بين الحين والآخر. جلالة الملك اراد بث طاقة قيمية وايجابية في الحياة السياسية العامة في الاردن من خلال اهم منابرها، ليؤكد على ضرورة ان يسهم الجميع باستدامة حد أدنى من السمو والرفعة للمشهد السياسي العام.

تحديد الخلل والحديث عنه بصراحة أصبح نهجا ملكيا مستمرا، وهو يعد الخطوة الاولى على طريق إصلاح الخلل وتصويبه، وقد كان لحديث جلالة الملك عن بعض الممارسات الصحافية اللامهنية واللاأخلاقية تنبيه واضح لخطورة ذلك على الفضاء السياسي العام، ولقناعة جلالته بضرورة ان تنتهي هذه الظاهرة لما تبثه من اجواء سلبية وتنحدر بالمشهد السياسي إلى مهاو هو أرفع من ان يصل اليها. الصحافة "الحرة والمستقلة ضرورة للبلد" معناه بوضوح ان هذا هو المطلوب وان صفة الحرة والمستقلة لا تنطبق بالضرورة الآن على كثير من منابرنا الإعلامية.

هذا لا يعني (ولم يعنِ يوما) عدم سعة صدر الدولة الاردنية لتقبل النقد بل والترحاب به، وإنما يعني وجوب أن يكون النقد نقدا بناء يُطرح لغايات الاسهام بالنقاش العام ويقدم الحل قبل ان يشهّر بالتقصير. فالنقد لا يكتمل ولا يكتسب مصداقية ولا يكون مؤثرا الا اذا كان ايجابي الطرح وسبق بالحديث عن الايجابيات والانجازات، اما ان يصبح اداة للتشكيك في بعضنا ووسيلة للانتقاص وتحريف الحقائق او سرد انصافها فهذا غير مقبول وغير مفيد للبلد. النقد السلبي قليل المصداقية يلوّن مساحات غير قليلة في نقاشاتنا البينية وحديث جلالة الملك يضعنا جميعا امام مسؤوليات وطنية كبيرة في أن نرتقي بمستوى تداولاتنا العامة لدرجات تليق بالاردن وشعبه وقيادته.

رسالة مهمة أخرى أتت على لسان المقام السامي تمثلت في حديث جلالته عن أهمية التعلم والمعلم، ونذكرّ كيف ختم جلالة الملك حديثه مع فريد زكريا على هامش منتدى دافوس بالتعبير عن قناعته ان التعليم والارتقاء به هو المحور الاساس لتطوير الشرق الاوسط مكررا ذلك ثلاث مرات. رفعة التعليم وتطويره تتماهى مع ما اراد جلالة الملك ان يقول لشعبه لأن التعليم الجيد يحفز التفكير النقدي البناء والحر ويساهم في بث وتسييد منظومة قيمية سامية وناضجة.

بدأت أولى مؤشرات رؤية جلالة الملك القيمية للبلد عندما وجّه حكومته للعمل على صياغة مواثيق شرف وأخلاقيات للعمل العام، إدراكا من جلالته ان القوانين لا تكفي في كثير من الاحيان لعمل ذلك وأن هناك مساحات اجتهادية ورمادية قد تخل بمعادلات الشفافية وأخلاقيات العمل العام لا بد من مواثيق وإجماعات عامة تسهم في ترسيخها. جلالته ومن خلال عمل ذلك يكون قد وضع حجر الاساس لتشييد ثقافة مجتمعية تستند لمنظومة قيمية تتحلى بالرفعة والسمو. حديث جلالة الملك في لقاء البحر الميت مع شخصيات أردنية وحديثه مع رؤساء التحرير قبل أيام يضيف مزيدا من العلو للصرح القيمي الذي باشر جلالته بتشييده في مستهل عقده الثاني الميمون، ونحن جميعا مدعوون للارتقاء والاستجابة لهذه الرؤيا الملكية خدمة للأردن وشعبه الطيب وقيادته الكبيرة.

mohmmed.momani@alghad.jo

التعليق