اليسار الفلسطيني

تم نشره في الخميس 25 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

ان انخراط الآلاف من الشباب الفلسطيني في صفوف فصائل اليسار وعلى مدى هذه السنوات الطويلة من عمر الثورة لم يكن حبا لشخص لينين ولا بسبب جمال عيون ماركس، كما ان حركة الانتقال من مياين النضال القومي الى الاطارات اليسارية لم يكن على قاعدة التنكر لمفاهيم واطروحات الفكر العربي القومي.

ومن باب الوفاء للتاريخ لا يجوز القفز عن حقيقة ان البدايات التي سجلها اليسار العربي كانت تتمثل في تكوين وتأسيس الاحزاب الشيوعية وبالسقوف السياسية والوطنية والفكرية والتنظيمية التي كانت تمارس من خلال دورها ونشاطها في اوساط المجتمع وبشرائحه المختلفة وفي المقدمة منهم الفقراء والمضطهدون وعلى الاخص المثقفون الذين كانوا يولدون من رحم هذه الشرائح ونسيجها الاجتماعي.

الى جانب ذلك كانت الاحزاب القومية التي استطاعت ان تستقطب اعدادا لا حصر لها من الشباب الباحثين عن اطارات العمل الحزبي سعيا منهم لاحداث التغير نحو الافضل، ومن باب الوفاء ايضا لا بد من الاشارة الى ان الاحزاب القومية كانت في موقع المتقدم على الاحزاب الشيوعية في برامجها واطروحاتها السياسية والوطنية واساليب نضالها.

ما بين هذين الطريقين كانت تجري عمليات الاستقطاب والاختيار وعلى اكثر من ساحة عربية لمواجهة الاستعمار والمؤامرات التي كان يحيكها لدول وشعوب المنطقة، وضمن هذه الصورة كانت القضية الفلسطينية تعيش معاناتها الخاصة وهي تنتقل من مرحلة الى اخرى.

وانطلاقا من هذه الخصوصية جاءت ولادة الادوات الفلسطينية والتي مثلها الحزب الشيوعي وحركة القوميين وصولا الى انطلاقة حركة فتح والاعلان عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وما رافق ذلك من متغيرات ومستجدات وانعكاسات وترجمات.

ففي اعقاب معركة الكرامة حدث التحول الفكري عند بعض الفصائل التي لم تتخل عن طابعها القومي من ناحية لكنها وجدت في تبني افكار اليسار دافعا جديدا لها وذلك كما حصل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية التي انشقت عن الشعبية من ناحية اخرى. كما برزت فصائل على ارتباط بحزب البعث بشقيه السوري والعراقي كالصاعقة وجبهة التحرير العربية.

بالمقابل استطاعت حركة فتح ان تحظى بأوسع تأييد شعبي لانها فتحت ابوابها لانخراط كل الميول والمذاهب الفكرية، فكانت التنظيم الذي احتوى الجميع من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. وختاما لا بد من الاشارة الى مسميات كانت قائمة ولكنها لم تكن تولي اهمية كبيرة للهوية الايدولوجية كالقيادة العامة وجبهة التحرير الفلسطينية والنضال الشعبي.

هذا السرد السريع انما اردت من خلاله ان استعرض الخريطة الفكرية لما كان قائما على الساحة الفلسطينية من باب الاحترام للتاريخ من جهة وحتى أبني عليها ما هو أهم من سردها من جهة اخرى وهذا ما تسعى هذه المقالة لمعالجة جوهره.

لقد شكلت فترة الستينيات والسبعينيات مرحلة ذهبية وبامتياز وذلك على صعيد الانخراط والالتفاف الشعبي بهذه المكونات العديدة والتي كان العنصر الفلسطيني يجدها دائما مفتوحة على مصراعيها وعلى أهبة الاستعداد لاستقباله وتلبية احتياجاته ورغباته. آلاف لا حصر لها عاشت التجربة وبغض النظر عن الهوية الفكرية وسلاح الايديولوجيا والامتيازات التي كان يمنحها هذه الفصيل او ذاك فالدافع والهم الأول والاخير والاساسي يتمثل في أن كل فلسطيني كان يرى في هذه الفصائل دربا وطريقا ووسيلة لتحقيق التحرير وبالتالي العودة الى الوطن الفلسطيني المغتصب وعلى هذا الاساس كانت تجري عمليات الالتحاق.

من اجل فلسطين كانت الغالبية العظمى تتمنى ان تحمل البندقية وترتدي اللباس العسكري، فقراء ومسحوقين عمالا وفلاحين طلبة مدارس وجامعيين، مهنيين من شتى المهن كلهم يلتقون على شواطئ الحلم الكبير بالتحرير والعودة. اجهرة ومؤسسات واتحادات وجمعيات وآلاف المكاتب والمقرات، امكانيات عظيمة لا يمكن حصرها، هذه هي الصورة التي كانت عليها الامور في عمان ودمشق وبيروت. كيف لا وهي اقرب العواصم الى فلسطين.

واذا كانت هذه الآلاف تعكس حالة التفاوت بين محبة ابو عمار وجورج حبش ونايف حواتمة واحمد جبريل وسمير غوشة وابو العباس فان ما كان يطغي في النهاية على كل ذلك ويسيطر عليه لم يكن ليبتعد عن عشق الفلسطيني لفلسطين المزروعة في ذاكرته، فأين نحن اليوم من كل هذا؟

ارتفع الرسم البياني الوطني الى اعلى القمم ولكن سرعان ما ابتدأ المؤشر في الهبوط والانزلاق نحو الهاوية مع دخول المنظمة مرحلة مدريد وأوسلو في مطلع التسعينيات، ورفع شعار غزة اولا واريحا ثانيا، مما استدعى سحب البنادق من ايدي الرجال، وتنكيس رايات الكفاح؛ فبدأت المكاتب تغلق ابوابها وتنهي خدمات المناضلين بعد ان اصبحت عاجزة عن اطعامهم، ضاعت المؤسسات وانهارت الاتحادات، وحل الفساد في كل مواقع الامانة والنزاهة والاخلاص، وتحولت مفردات الحلم التاريخي بالتحرير والعودة الى سلطة وحكومة واجهزة امن ومفاوضات مباشرة وغير مباشرة واصبح تجميد الاستيطان هدفنا الاول والاخير، وغدا دخول كتاب جينيس للارقام القياسية من خلال اكبر سدر كنافة ومسخن وحطة وشروال هو ما نسعى لتحقيقه، واصبحت انتفاضة الشباب في القدس دفاعا عن المقدسات لا تلقى اي اهتمام من رام الله ونابلس وجنين.

رحل القادة العظام وحل موظفو دايتون في كل المواقع يمارسون القمع والتنكيل وتعذيب الناس واعتقالهم والزج بهم في اقبية الظلام التي افتتحت في كل قرية ومدينة. وكل ذلك من اجل السلام الكاذب الذي عشعش في عقولهم موهمين الناس ببركات قدومه من خلال الدولة الموعودة.

ولكن وللأسف لم ينجح اليسار واطروحاته التقدمية في ان ينجو من الاصابة بالمرض، الامر الذي جعله يعلق في شباك التساوق والتناغم والمجاملة والمحاباة الفارغة مقابل الاعانات المالية التي كانوا يقلونها اليه، اضافة الى بعض الامتيازات التي يقدمونها لعناصره القيادية والكادرية.

تراجع هذا اليسار ورضخ بعد ان وجد في احضان اليمين كل ما يمكن ان يبقيه على قيد الحياة، كما هاجر بعيدا عن الجماهير الفقيرة والمسحوقة والتي وجد اساسا لخدمتها واكتفى بخطابات خجولة لا علاقة لها بكل ما كان يطرحه حتى اصبحنا لا نفرق بين ابن فرناس وعباس.

اليسار الفلسطيني اليوم اصبح فاقدا لكل الاسباب التي من اجلها وجد ونما وترعرع بعد ان استدار بفكره وسلوكه نحو اليمين واضحى هامشيا لا يقدم ولا يؤخر في المعادلة الوطنية، بل نستطيع القول انه الحق الضرر في الكثير من القضايا المفصلية ذات العلاقة بالقضية ومستجداتها وما اصبح يهدد وجودها من مخاطر.

الانقراض التام هو ما ينتظر هذا اليسار حتى يعود الى رشده ويعلن الاستدارة مجددا نحو عالم اليسار الفعلي وبكل ما يقتضيه ذلك من تحديث وتغيير في السياسة والكفاح. انا لا ادعو هذا اليسار وما تبقى لديه من عناصر الى الانخراط في صفوف حركة حماس والجهاد الاسلامي- وان كان في ذلك شرف نضالي كبير- وختاما وللاستدلال الى ما ذهبنا اليه أود الاشارة الى ما تناقلته وكالات الانباء عن التحاق ما يزيد على الفي عنصر بكامل اسلحتهم من حركة فتح في مخيمات الشتات اللبناني الى صفوف حزب الله.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نظرية التحرير ابتلعت الايديولوجيا (عمر أبو رصاع)

    الخميس 25 آذار / مارس 2010.
    حقق كاتب المقال داخل بنيته نقلة صعبة الهضم، عندما تحدث عن التحول من حركة قومية إلى جبهة شعبية، واصفاً هذا بأنه ليس انقلابا أو تنكراً للبعد القومي، أو كما كان أصحاب ذلك التحرك يصفونه بأنه تطور في الوعي الثوري.
    لكن من الصعب على القارئ الفاحص للتاريخ أن يتقبل هذا الفرض، حتى ولو أن زعيم التجربة نفسه حاول في آخر حياته أن يقوم بتراجع خجول عن انقلابه الصرف على المفاهيم القومية التي انطلق منها.
    وحتى تكون الأمور في نصابها الصحيح برأيي فإن ما حصل عندما أقدم جورج حبش ورفاقه على حل حركة القوميين العرب وتشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لا يمكن وصفه إلا بأنه انقلاب على التيار القومي الذي بات يوصف من قبل هذه الكوادر نفسها بالرجعية واليمينية!
    انقلاب تحل فيه حركة سياسية لها فروع في معظم الأقطار العربية هذه الفروع، وتغلق مكاتبها، وتسرح كوادرها، للتحول إلى حركة تريد أن تقاتل فلسطينياً بمفاهيم وآليات الفيت كونغ!
    فكيف لا يكون هذا انقلاباً؟
    إن مقررات مؤتمر الحركة 68 وما أسفرت عنه، تقدم بجلاء قراءة تدين كلياً الفكرة القومية، لتقوم الحركة بقطع اذرعها قومياً ومن قبل قيادتها عن سبق إصرار وترصد، وبعد ذلك يتواصل الانشقاق مع حواتمة عبر الجبهة الديمقراطية الزاعمة بأن مستوى الوعي الثوري اليساري لدى الجبهة الشعبية غير كافي وناضج، وأنها باتت في خانة اليمين، مما اقتضاها هي أن تمثل اليسار النقي!
    وبعد
    تبدو المسألة ونحن نستعرض تاريخ اليساريين والقوميين الفلسطيني، تاريخاً للاجئٍ فلسطيني يحلم بالعودة ويبحث له عن رداء سياسي يتناسب مع طموحاته النضالية أكثر مما هو فعلاً سياسي ينظر وفق رؤية لقضيته ليفهمها ويتعامل معها، فكان تحرير فلسطين بالنسبة له هو النظرية فيما كانت الإيديولوجيات السياسية مجرد وسائل لتحقيق النظرية.
    لهذا غرق اليسار الفلسطيني تماماً في حبائل أحلامه وتلقفته أحضان من احترفوا الاتجار بأحلام الشعوب لتحويله إلى ورقة ضغط بل ربما جزء هامشي من ورقة ضغط سياسي بايديهم.
    مع الاحترام