الاقتصاد بين الخطابة ونمطية النخب

تم نشره في الثلاثاء 23 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

علا صوت أحزاب المعارضة في المؤتمر الوطني الاقتصادي بمطالب جديدة قديمة خلت من التفاصيل وغابت عنها الارقام والنسب، وانطوى تشخيص الواقع الاقتصادي وآفاق الحل على عبارات أوسعت الحالة الراهنة نقدا من دون أن يقدم أصحاب الرأي الآخر أي خطط أو مشاريع لا سيما ما يتعلق بتمكين الفقراء وإيجاد حلول عملية لمشكلة البطالة في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى خلق 70 ألف فرصة عمل سنويا.

ثمة مطلب للمعارضة يستوقف المراقب في عموميته، علما بأنه على درجة عالية جدا من الاهمية، فأحزاب المعارضة تدعو الحكومة إلى تحويل المجتمع بموجب خطط تنموية دقيقة إلى مجتمع منتج بدلا من الاستمرار في دوامة الاستهلاك.

ولكن تلك المناشدة الفضفاضة لا تتقارب كيفما نظرت إليها مع شكل التغيير والإصلاح الاقتصادي الذي جاء ثمرة حقيقية لجهود خلق الحالة الانتاجية في عدد من الدول التي سجلت سبقا في المضمار الاقتصادي، وانتقلت من مرحلة الاقطاع الزراعي المتخلف الى القواعد الصناعية العملاقة، ومنها نمور آسيوية قريبة من محيطنا العربي في الجغرافيا، لكنها بعيدة عن واقعنا في التخطيط والتطبيق.

ذات الخطاب يسترسل في الحديث عن "النهوض" بالقطاع الزراعي، وفي الوقت الذي تؤكد فيه البيانات والنسب أن أكثر من تسعين في المائة من غذاء الأردنيين مستورد من الخارج، تذهب المطالبات الى إعادة النظر في السياسات الزراعية، وكأن الحل السحري يكمن فقط في تلك الاعادة، بينما اتجاه الحكومات ومنذ وقت بعيد لا يدعو الى بناء تكامل غذائي على المستوى الزراعي، بل إن تشجيع الاستيراد وفتح أبوابه كان الأكثر وضوحا في التوجهات الرسمية وحتى غير الرسمية.

وفي سياق اكثر تعقيدا، يحلق خطاب الاقتصاد لدى المعارضة ضمن ارتفاعات منخفضة نسبيا، عندما يتعلق الأمر بالسياسة النقدية وكذلك المالية، ويخرج بعبارة مفتوحة مفادها أن على الحكومة أن تتبع سياسات مالية ونقدية تقلل من عجز الموازنة وينتهي الأمر عند هذا الحد.

والجهة المقابلة التي تتلقى هذا الخطاب ليست في وضع افضل، وأعني الحكومة، فهي ايضا تلجأ في احيان كثيرة الى التعميم والخطابة هربا من اسئلة اقتصادية صعبة، وشملت "خطتها" جانبا من تلك العموميات مع ذكر بعض المشاريع التي تأتي عادة ضمن قانون الموازنة ولا داعي لإدراجها ضمن جداول سميت لاحقا "خطة".

كان حريا بحوار ومؤتمر وطني اقتصادي يجمع المعارضة والحكومة أن يضع صورة جديدة لاقتصادنا من خلال جدول زمني محدد يهوي بحجم ونسبة إنفاق القطاع العام المرعبة التي تشكل اكثر من 55 % من حجم الاقتصاد الاردني، وان يعيد ترتيب القوى العاملة التي توظف الحكومة اكثر من نصفها بينما تشكل العمالة الوافدة العمود الفقري لقوة العمل في البلاد، وأن يقرر ما اذا كان الاردنيون سيقللون من حجم اعتمادهم على الخارج عبر البحث عن وسائل انتاجية محلية ام ان نسبة الغذاء المستورد ستصل الى 100 % في وقت قريب، وان يعاد بناء هيكل تسعير الفوائد وعلاقة الدينار بغيره من العملات على أسس ذات صلة بالطلب الحقيقي على الأرض لا تبعية لمصالح البنوك او ملاحقة لما يحدث في أروقة الاحتياطي الفيدرالي الاميركي، واهم من كل ماسبق ان يتم وضع حد للفساد الذي يتغلغل بقوة في القطاعين العام والخاص.

أزمة الاقتصاد الاردني الاساسية تكمن في النخب وخطابها الذي يتكرر عاما بعد عام من دون ان يشعر المواطن، اداة التنمية وهدفها، بأي تغيير نوعي على واقعه، فيما المشهد مختلف بالنسبة للدول التي قطعت اشواطا في مضمار الاصلاح، فثمة روافع للبناء أسست لها نخب سياسية واقتصادية وهي التي شخصت الحالة السابقة بضعفها وأمراضها وحددت ملامح الحالة اللاحقة، ثم تحركت بخطى واثقة وعقول نزيهة لتحقيق الأهداف فكان لها ما أرادت وكان لشعوبها الرفاه والرضا.

hassan.shobaki@alghad.jo

التعليق