أي شراكة بين القطاع الخاص والحكومة؟

تم نشره في الأحد 21 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

يمثل التوجه الملحوظ أخيرا إلى إنشاء شركات تعود الملكية فيها أو في جزء منها إلى الحكومة، رجوعا غير محبب عن نهج التخاصية الذي بدأه الأردن منذ 1995. وعودة واضحة عن برامج إعادة الهيكلة والاصلاح الاقتصادي التي اتفق عليها الأردن مع الدول والمؤسسات المانحة، وتحت إشراف صندوق النقد والبنك الدولي، كوسيلة لتقليص حجم مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص ورفع وتيرة الكفاءة الانتاجية في الاقتصاد الكلي، وإصلاح ما تراكم من أخطاء ولغط في اقتصاد يدّعي الرأسمالية كمبدأ أساس.

فبعد عمليات تخصيص كبيرة مثل تخصيص شركات الاتصالات والفوسفات والبوتاس والتي تم بعضها ضمن خطط شفافة، مدروسة ومحددة، واطار اصلاحي شمولي أحاط بجميع الانشطة الاقتصادية، باتفاق مع المنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي شاركت كمراقب في بعض الحالات، ومن خلال حوار وطني، وفي ظل تواجد برلمانات قوية وناقدة للجهاز التنفيذي، نجد أن الأردن بدأ في العودة عن هذا التوجه من خلال ايجاد شركات مؤسسة من قبل دوائر وجهات حكومية أو تابعة للحكومة بالشراكة مع القطاع الخاص.

ومن الجدير بالذكر أن مبدأ الشراكة بين القطاعين العام والخاص مقبول فقط في حالات الاستثمار في مشاريع البنية التحتية التي تحتاج الى دعم حكومي لجعلها مربحة للقطاع الخاص مع تحاشي إرهاق المواطن بما يتطلبه عائد الاستثمار للقطاع الخاص كهوامش سعرية مرتفعة للتعويض عن التكاليف الباهظة لهذه المشاريع، مثل مشروع جر مياه الديسي مثلا.

ولكي لا تكون اسعار الخدمات المقدمة من قبل الشريك/المستثمر من القطاع الخاص فوق طاقة غالبية المواطنين وخاصة من ذوي الدخول المتدنية أو الفقراء.

أيضا تتميز برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص في أنها تعتبر استثمارا من الحكومة في حاضر ومستقبل الأمة يعود اليها مردوده على شكل ازدياد في ما تجنيه من ضرائب، من دون الحاجة الى رفع معدلاتها وذلك من خلال ارتفاع في مستويات دخل مواطنيها وتحسن انماطهم الاستهلاكية والمعيشية. فعلى سبيل المثال، إن تحسين الشوارع أو ايجاد شوارع ووسائط نقل عامة وجديدة، يعتبر في صالح الاستثمار في مستقبل الأمة الذي لم يكن ممكنا من موارد الحكومة المحدودة أو القطاع الخاص وحده.

لذا، فإن من سوء الفهم لهذا المبدأ الاقتصادي تطبيق مبدأ هذه الشراكة في مجال استيراد السلع أو شركات البناء، أو التدريب، حيث لا تقع أنشطة هذه الشركات في باب الخدمات أو السلع العامة، كما أنها تنافس القطاع الخاص وتزاحمه في رزقه، وهو أمر مرفوض في كليته.

أما أن تستخدم مثل هذه الافكار من أجل جني الارباح للحكومة فهو ليس مخالفة واضحة وحسب لمبدأ التخاصية ومن ضمنه عملية الشراكة بين القطاع الخاص والعام بل هو عودة عن مبدأ مهم، وهو فصل الإمارة عن التجارة، وهو أحد أهم مرتكزات الاصلاح الاقتصادي الأردني؛ وتوجه مخالف لمبدأ ان الحكومة تحصل على دخلها من الضرائب وبعض الرسوم التي تكون مقابل خدمات محددة وليست رسوما من دون مقابل.

طبعا لا يعقل لأي حكومة أن تدخل في التجارة وتزاحم التجار في أعمالها لأنها لا بد لها أن تتحيز ولو بشكل غير مباشر الى جانب المؤسسات التي تشارك فيها ما يخلق التشوهات في السوق كأن يكون القاضي غريما، ويجترح من الحكومة أحد أهم أدواتها وهي الحوكمة العادلة في أمور الناس.

الأمر الذي يؤدي الى زعزعة الثقة بالحكومة كمنفذ عادل لإرادة الأمة، ووسيط وقيم على حقوق أفرادها ومؤسساتها، ما يؤدي الى اندحار الثقة بديمومة النشاط الاقتصادي، وتراجع الاقتصاد ككل، وهو مبدأ أصر عليه العالم العربي ابن خلدون قبل أكثر من خمسة قرون في الفصل الاربعين من كتاب "المقدمة"، وليس أمرا جديدا، وكما قال الشاعر،"ما هكذا يا سعد تورد الإبل".

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »... (هيثم الشيشاني)

    الأحد 21 آذار / مارس 2010.
    فعلا ً أين الشراكة في المسألة.
    مقال متميز كالعادة من كاتبنا الكبير.
    الانخراط في المشاريع من قِبَل الحكومة كيفما اتفق و بدون فهم صحيح للأهداف من وراء هكذا تدخّل (شراكة) قصور كبير؛ في الرؤية و التطبيق.
    و الأدلة على المشاريع المتعثرة و "محاولة" إعادة إحيائها دليل وااااضح!
  • »مثال واقعي عن هذه الشراكة (ابو خالد)

    الأحد 21 آذار / مارس 2010.
    سأعطي مثال لشركة تنطبق عليها هذه الاوصاف الا وهي شركة تطوير العقبة والتي تم انشاؤهالتكون الذراع الاستثماري لمفوضية المنطقة الاقتصادية الخاصة في العقبة وتملكها مناصفة حكومة المملكة والمنطقة الاقتصادية الخاصة وتم تحويل جميع الاصول لها من اراضي وموانيء ومطار بعد ان اخذت مفوضية العقبة على نفسها(حسب قانونها) ان تكون المنظم للقطاع (Regulator) والمطور للمنطقة الخاصة.قامت هذه الشركة بتحويل ميناء العقبة الى مراكز ربح وخسارة (cost centers)وسلخت ميناء الحاويات ووقعت اتفاقية شراكة مع شركة APMT الدنماركية مدتها 25 سنة لادارة هذا الميناء وسلخت الخدمات البحرية من قطر وارشاد وانقاذ ووقعت اتفاقية اخرى مع ائتلاف لامنالكو الاماراتي لأدارته ,علما بأن هذين النشاطين هما الاكثر ادرارا للدخل في ميناء العقبة ووقررت ان تحول ما تبقى من مؤسسة الموانيء الى شركة حكومية تملك الحكومة كامل اسهمها تمهيدا لخصخصتها (الغى مجلس النواب المنحل قانون مؤسسة الموانيء لهذه الغاية).فماذا حصل الان وبعد خمس سنوات من هذه الشراكات ؟
    شركة تطوير العقبة تواجه عجزا مقداره 42 مليون دينار في موازنة 2010 ,مفوضية العقبة هي الاخرى تواجه عجزا على موازنة 2010 قدره 13 مليون دينار ,مؤسسة الموانيء لم تحول بعد لشركة واصبحت تنوء تحت عمالة تزيد عن 3500 موظف وعامل ولكن الغريب جدا بالامر انه رغم ذلك رفدت مؤسسة الموانيء شركة تطوير العقبة سنة 2009 بخمسة عشر مليون دينار ,ولكن لا احد يقول لنا كم ربحت شركة تطوير العقبة من الشراكات الاستراتيجية التي وقعتها واذا كانت تربح لماذا هذا العجز الكبير في موازنتها؟؟؟