د.باسم الطويسي

الثقافة العربية والظاهرة الإعلامية الجديدة

تم نشره في الخميس 18 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

مع استمرار زحف الإنتاج الإعلامي الجديد بمصادره الأساسية الثلاثة؛ تطبيقات شبكة الإنترنت والبث المباشر عبر الفضاء والهاتف المحمول يزداد كل يوم الانكشاف الثقافي للمجتمعات العربية وحجم الفوات والهوان في التعامل مع منتجات هذه التكنولوجيا المدمجة وما تخلفه من فوضى وتراجع فرص الشراكة مع العالم مقابل جشع استهلاكي رخيص لمنتجات هذه الظاهرة.

أنجز العرب بعض النجاحات المحدودة في التنافس على تقديم منتجات الإعلام الجديد بالمقارنة مع الفوائض المالية الهائلة التي تحققت خلال العقد الماضي، المفارقة الأولى أن أهم الانجازات في تطوير المحتوى الإعلامي ذي الجودة العالية على شبكة الإنترنت قد جاء من دول محدودة الموارد مثل الأردن التي سجلت تقارير دولية مهمة مثل تقرير نادي دبي للصحافة وشركة تيكوم للاستثمارات 2008 ودراسة شركة ووتر هاوس وغيرها من تقارير ودراسات تناولت تجربة (مكتوب دوت كوم) قبل أن يباع حيث توقعت تلك التقارير أن يجذب الموقع نحو 50 % من مستخدمي الإنترنت العرب، كذلك نموذج موقع مدونة الفيديو للملكة رانيا العبدالله وهو الموقع الذي عد واحدا من أفضل الممارسات العالمية الجادة على الإعلام الجديد في الدعوة إلى تغيير الصور النمطية والأحكام المسبقة بين الثقافات وبأسلوب بسيط وذكي جعل هذه المدونة تسجل أكثر من نصف مليون مشاهد خلال شهور قليلة من إطلاقها.

المفارقة الثانية أن البلد الذي أنجز أفضل الممارسات العربية في استخدام الإعلام الجديد يسجل أيضاً نماذج أخرى من أسوأ الممارسات غير المسؤولة.

ظاهرة التعامل غير الرشيد مع تطبيقات الإعلام الجديد تنسحب مع المجتمعات العربية كافة ومركزها غياب الإطار المؤسسي التنظيمي المستقل، ويبدو وفق القراءة الأولية أن الأزمة التاريخية حول الحرية احد أهم مصادر هذه الممارسات بشكل أو بآخر، الأمر الذي حول البث الفضائي إلى ساحة للابتذال السياسي والاجتماعي وبيع الشعوذة على الناس والتجارة بالخرافات. وعلى الرغم من الإغراق الإعلامي الذي جعل الشرق الأوسط العربي حسب تصنيفات تدفق البث الفضائي العالمي واحدا من أكثر مناطق العالم ازدحاماً بالفضائيات والبث المباشر إلا أنه لم يقدم انجازات ملموسة في الإصلاح الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي تنتظره هذه المجتمعات منذ قرون.

وفي الوقت الذي رصدت الولايات المتحدة (500) مليون دولار عام 2002 لتأسيس خطاب إعلامي ناطق بالعربية ورصدت إسرائيل (5) ملايين دولار لتطوير خطاب إعلامي جديد غير مباشر موجه للمنطقة العربية ثم توالت أكثر من (30) دولة على إنشاء محطات بث بالعربية آخرها المحطة التركية، لم نشهد مبادرة عربية جادة لاستثمار هذا الفضاء في وقت تنهار فيه صورة العربي وتشوه فيه صورة الإسلام.

ثمة مفارقة ثقافية أخرى محيرة ترتبط في تطوير المحتوى الإعلامي على شبكة الإنترنت مفادها أنه في الوقت الذي يشير فيه تقرير المعرفة العربي الأخير إلى نمو المحتوى العربي على الشبكة بشكل جعل العربية تنافس في معدل النمو اللغات المركزية وكذلك فيما يتوقع أن يشهد النمو الإعلاني في المحتوى الإعلامي العربي على الشبكة في عام 2012 نحو (45 %) من الوضع الحالي فان جودة المحتوى من نواحي المعلومات والتنوع والمنتجين ما تزال واحدة من أكثر الأمثلة رداءة في العالم.

الملاحظة الأخرى أن المحتوى الإعلامي المركزي باللغات الإنجليزية والإسبانية والفرنسية وغيرها قد طورته شركات كبرى ومؤسسات إعلامية نافذة في مجالات الإعلام التقليدي حينما مسكت زمام المبادرة وفتحت نوافذها للمحتوى الذي ينتجه المستخدمون، بينما في حالة المجتمعات العربية فقد واجهنا زحف الشبكة وتنوع وظائفها بفراغ هائل من المبادرين الكبار أي لم يحدث تحول واستيعاب في وظائف المؤسسات الإعلامية كما حدث في العالم؛ مثال على ذلك خدمة (أي – ريبورتر) (I reporter ) التي قدمتها شبكة (CNN) التلفزيونية عام 2007 من خلال إتاحة منصة شبكية تتيح من خلالها توزع برمجيات مجاناً على المستخدمين لإنتاج وبث تقاريرهم ضمن قواعد متقدمة من المهنية والمعايير التي جعلت مثل هذه الشبكة العملاقة تحقق نجاحات تاريخية في جمع المعلومات والوصول إلى الأخبار، بينما تقود مواقع المؤسسات الصحافية (صحافة المواطن) وتدير المناقشات الكبرى ولم تترك هذه المهمة للهواة؛ لا يحدث ذلك في الولايات المتحدة وبريطانيا والديمقراطيات الغريبة فقط بل يحدث في كوريا وماليزيا والمكسيك وبلغاريا وغيرها.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ازمة الحرية والاعلام (توفيق عياد)

    الخميس 18 آذار / مارس 2010.
    ازمة الحرية داخل النظام الاعلامي العربي والتي انعكست على اداء الاذاعة والتلفزيون والصحافة قد دفعت باتجاه تهميش السياسة وقضايا الرأي والثقافة الجادة وسيادة مضامين ترفيهية تتسم بالسطحية ومخاطبة الغرائز، ويمكن القول ان هذه المضامين مع اختلاف البرامج والمسميات تهيمن على اغلب وقت البث الاذاعي والتلفزيوني في القنوات الرسمية والتجارية، وقد تركزت المنافسة بين هذه القنوات على تقديم اكبر قدر ممكن من المضامين الترفيهية بغض النظر عن مستواها الفني او ما تطرحه من قيم وافكار، الامر الذي يدفعنا الى اقتراح ضرورة مراجعة ونقد الزخم الاعلامي العربي،