إبراهيم غرايبة

الأيام الحسومات

تم نشره في الثلاثاء 16 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

تسمى في تراث المتوسط وبلاد الشام الأيام العشرة الثانية من شهر آذار بالأيام الحسومات، ويقال إنها الأيام التي أهلك فيها عاد، "وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية"، ويقال بأنها تسمى كذلك لأنها محسومة/ ملغاة من الروزنامة الزراعية، ويمتنع المزارعون في هذه الأيام عن كثير من الأعمال الزراعية وبخاصة تقليم الأشجار، ويؤجل الناس كثيرا من الأعمال الحياتية واليومية، وينقلون قصصا كثيرة عن الأمراض والتلوث والهلاك الذي يمكن أن يحدث للزرع والناس والمواشي، وكان الناس يميلون إلى الاعتكاف في هذه الفترة في بيوتهم، وكان العرب يرونها أيام نحس يتشاءمون منها، ويقال في الأمثال الشعبية: "ما حلال بيدوم إلا بعد الحسوم" وإذا نويت بالحسوم نعمتك ما بتدوم" "استنى حتى ييجي عمك نيسان وصل على النبي العدنان".

وبالطبع فليس هناك ما يثبت/ ينفي هذه الفكرة علميا، ولكنه تراث ربما بدأ يتغير مع تغير الحياة نفسها، ولعلها تجربة متحصلة من الخبرة بالطقس وتحولاته، ومن المعلوم أنه في هذه الفترة يتداخل الشتاء بالربيع، وتكون انتقالية قلقة تسبق الاعتدال الربيعي، وتبدأ براعم الأشجار بالتشكل، وتنتشر الحشرات، وتنشط الطيور، وتدب الحياة في الكائنات ذوات الدم البارد التي تدخل في سبات شتوي طويل يشبه الموت والبعث من جديد، ويتعرض الإنسان للإصابة بالأمراض والحساسية، ومن المعلوم أن التراث الشعبي مستمد في جزء كبير منه من العلاقة بالطقس والطبيعة والبيئة وأسلوب الحياة.

ويبدأ بعد ذلك الربيع، وما يزال ثمة علاقة بين عيد الفصح/ عشتار (إيستر) كما يسمى في الغرب وبين الربيع، وترى كثير من شعوب المنطقة حتى اليوم الأيام التي تبدأ بالاعتدال الربيعي أيام احتفالات وأفراح، النيروز لدى الفرس والترك والكرد، وفي الصين والهند وآسيا، وشم النسيم في مصر، وحتى عيد العمال العمالي في أول أيار مرتبط بأفكار وأساليب قديمة في حياة الناس وبمواسم العمل والإنتاج، وكانت عطلة الربيع جزءا من هذه الاحتفالات، وهي في الغرب ما تزال قائمة، وينظر إليها على أنها للشكر والاحتفال بالحياة، وهي على أية حال فلسفة تقوم على الانسجام مع الطبيعة والكون، واحترام أسرارها، ومحاولة فهمها.

يشبه الربيع نشأة الحياة والولادة والبعث والخلاص أيضا، فبعد البيات الشتوي وتوقف الحياة تعود الحياة من جديد، فهو على نحو ما دعوة إلى الحياة وتجديدها، أو مراجعة لما مضى والعمل على الإصلاح، وتمنح رموز الحياة التي تنطلق مثل السنونو وزهر الليلك واللوز التي تسبق الكائنات في الاحتفاء بالحياة، وقد يكون فرصة نادرة لا تتكرر لالتقاط طاقة الحياة المنبعثة، وكانت النساء تجمع النسغ المتشكل على الأشجار لاستخدامه في غسيل الشعر والجسم أملا بالجمال واستمرار الشباب وتجديده.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أنتهز الفرصه (شيرين)

    الثلاثاء 16 آذار / مارس 2010.
    في محور حديث الاستاذ ابراهيم عن جمال الربيع وبهائه أنتهز الفرصة لأدعو الجميع للاستمتاع الحقيقي بروعة الربيع في جبال عجلون المكسوة بثوبها الأخضر الموسمي الرائع الجمال
    وأذكرهم بأن أشجارها وأزهارها وينابيعها تعطي لذة ونزاهة رفيعة للروح وتبعد العقل قليلا عن التفكير بهمومه ومشاكله اللامنتهيه
  • »end of winter >>> beginning of spring ...lovely (mohammad)

    الثلاثاء 16 آذار / مارس 2010.
    i only found your words to copy
    ...@@@...
    أللغة عماد العلم والتعَلّم وحجّة
    إفهامية ...ma , am philosophy
    يشبه الربيع نشأة الحياة والولادة والبعث والخلاص أيضا، فبعد البيات الشتوي وتوقف الحياة تعود الحياة من جديد، فهو على نحو ما دعوة إلى الحياة وتجديدها، أو مراجعة لما مضى والعمل على الإصلاح، وتمنح رموز الحياة التي تنطلق مثل السنونو وزهر الليلك واللوز التي تسبق الكائنات في الاحتفاء بالحياة، وقد يكون فرصة نادرة لا تتكرر لالتقاط طاقة الحياة المنبعثة، وكانت النساء تجمع النسغ المتشكل على الأشجار لاستخدامه في غسيل الشعر والجسم أملا بالجمال واستمرار الشباب وتجديده / maam