هاني البدري

ضد الحكومة

تم نشره في الاثنين 15 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

نعم... افعلوا كل ما يعكر صفو "الحكومة"، تعمدوا حرق دم المسؤولين فيها، ومارسوا كل ما يعيد لنفسياتكم (التعبة) توازنها.

انفثوا أنفاسكم المتقطعة، كلما أحسستم أنكم "بعملتكم" انتصرتم لأنفسكم من ضغط "الحكومة" وضرائبها وطوابيرها وخطابها المتعالي عليكم، وموظفيها الذين يتحدثون معكم من "رؤوس مناخيرهم".

سأبدأ معكم لأنتصر لنفسي أيضاً. فليس من المعقول أبداًً أن نتجرع حسرة العشرين ديناراً التي ندفعها بدل مخالفة حزام، والثلاثين الأخرى التي تخرج بقلوب يعتصرها الألم عند مخالفة رادار.

لا، أقول لكم، على طريق السلط وباتجاه "السرو" ثلاثة رادارات؛ أولها متربص وراء سرب الشجر، الذي يتلقفنا من صويلح، والآخران على مسافة ليست بعيدة، ستة رادارات "لا ترحم" تغطي طريق عمان- إربد، بدءاً من طلوع البقعة وحتى قفقفا.

احترسوا وانتصروا لجيوبكم، وكراماتكم، لا أدعوكم، لا سمح الله، لأن تخففوا السرعة، بل أقول انتبهوا، كلما تغادرون فرقة رادار متجهمة، أطلقوا العنان لأنفسكم "وطيروا"، حتى تأتيكم الإشارة المحمودة من أخيكم المواطن القادم من الجهة الأخرى.

"فلاشر متقطع..." هذه كلمة السر، اللغة المحببة التي نلتقي عليها نحن المواطنين فقط للانتصار على الحكومة، ثم نعود طبعاً لخلافاتنا ومماحكاتنا، وحواراتنا الطرشة هي وأصحابها.

ثق بأخيك المواطن، وخفف سرعتك فقط، عندما تصلك الإشارة.

دع (الغمة) تزول، وتجاوز الرادار، ثم عُد لما كنت عليه، وتذكر أن عليك أيضاً أن تحذر إخوتك القادمين من الاتجاه الآخر، كلما صادفت مصيدة رادار تقبع خلف شجرة أو في ظهر يافطة، هذه هي المواطنة الصالحة.

تفننوا، أعطوا "فلاشرات" كما تشاؤون، وضعوا أكياس الملح الثقيلة على عدادات الكهرباء، لعل مؤشراتها المتسارعة "تهمد" وتخفف من نزيف الفواتير. ولا تنسوا أن تخفوا الملح عند قدوم موظف الكهرباء، ثم عودوا لملحكم وابتساماتكم المختبئة كلما راودكم شعور بالانتصار على (الحكومة).

كوابل ووصلات الكهرباء المسروقة من بطن الأرض وفي فضاءات مفتوحة "عينك عينك" التي كانت وراء انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة. كانت جهداً "جباراً" من إخوة لكم مواطنين آمنوا بأن لا كوابل تشفي الغليل وتُنير ليالينا "الباهتة" إلا كوابل الحكومة.

من قال لكم إن مشكلة شُح المياه عندنا، سببها المواسم المطرية أو استيلاء إسرائيل على مياهنا فقط...؟! طبعاً لا، فبعض إخوانكم المواطنين الذين كُتب عليهم أن يتحملوا امتلاك "بضع" مئات من الدونمات على طريق المطار وفيها بضع عشرات من الأمتار من "برك السباحة"، لم يعدموا الحيلة والوسيلة، فأين يذهبون سوى لمواسير الحكومة؟! فَسقوا وسبحوا، وانتصروا عليها. الغريب هنا أن بعضاً من هؤلاء أو أكثرهم، من النافذين، كما جاء في تصريحات موثقة وعديدة لمسؤولين مائيين تحدثوا صراحة عن كميات هائلة من المياه المسروقة سنوياً على أيدي متنفذين.

أتعرفون كشوف التقدير الذاتي للضريبة؟! افعلوا بها ما يحلو لكم. "غربلوها" اجعلوا من يقرؤها من موظفي الحكومة "طبعاً"، يلف حول نفسه ثم لا يفهم منها ما يؤدي به إلى نتيجة، تعالوا بمحاسبين خبراء في مجال الميزانيات المضروبة والكشوفات "المخروبة" وهم كثر بالمناسبة، أتعرفون أن شركات كبرى في الأردن، وأسماء كبرى في الصناعة والاقتصاد، تقول كشوفها إنها لم تربح فلساً خلال أعوام، ثم نسمع عن مشاريع توسعة وفروع في دبي وأوروبا والقاهرة وعمارات جديدة وسيارات وقصور لأبنائها وملاَكها، النافذين أيضاً (على طريق المطار)، ثم لا تجد الضريبة سوى نحن المواطنين لتنشغل بنا وبكشوفنا في قوانينها الجديدة.

أطلقوا العنان لسياراتكم في شارع مكة، وافتحوا النوافذ "وعلى طول أيديكم" ارموا الزجاجات الفارغة وأكوام قشر الترمس وأكياس الشيبس.. فللشارع حكومة تنظفه!

عرفت الآن لماذا كل هذا الجفاء في علاقة المواطن بالحكومة. و(الحكومة) هنا تعبيرنا الدارج عن كل ما يتعلق بالدولة ومؤسساتها، ولماذا هذه الثقة المهزوزة والأوصال المتقطعة بين المواطن وحكوماته.

المواطن والحكومة. علاقة مأزومة حتى يثبت العكس، وحتى يشعر الأول بأنه هدف وجوهر عمل الثاني وأساس وجوده، حتى ذلك الحين، سيبقى شرطي السير وموظف الضريبة والكهرباء والماء، والوزير الذي يبدأ حديثه بسوف وسنعمل. والمسؤول الذي تتداخل مسؤولياته بمصالحه وأعماله. كلهم في الجهة الأخرى من المواطن، فيما سيواصل المتنفذون والنافذون سرقة مائنا وكهربائنا وضرائبنا وحتى مواقعنا كمواطنين همهم العيش بشرف، لا أن يكونوا فقط ضد الحكومة!.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »والله ما قصرت يا سيد هاني ..... (وليد عماوي)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    سبحان الله كل ما قلته وارد وبسرعة مليون فالكل يريد ان يستأسد على هالمواطن الغلبان والمواطن بيتحدى الحكومة بطرق ملتوية كلما زادت الحكومة بالأمور المعيشية التي تمس الغلابة
  • »الله معاهم (يوسف البستنجي)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    مقال جميل وناقد بشكل وساخر والكلام موجود ولكن في تقلص بسبب الكاميرات في كل مكان حتى مع سائقي التكسي ... والعلاقة مع الحكومة وأقصد الشعب علاقة الظاهر أنها عكسية ولكني اشعر في الحقيقة انها... لان شعبنا حصرياً في العالم وأنت أعرف مني وأنا أحد طلابك ...
    وشكراً
    يوسف البستنجي
  • »شكر خاص (خديجه)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    قد لا يكون لدي المتسع من الوقت للتعليق على المقال ولكن بالتأكيد أود القول بأنني احترم كل من يكتب ليبني
    ومن يدري ربما تكون هذه المقالات هي بداية لطريق يعاد فيه بناء(الاوصال المتقطعه بين المواطن والحكومه)
    ولا يسعني إلا ان اشكر الكاتب الكبير هاني البدري بهذه الابيات:
    أبتبتل لجل هاني بسخر له الشعر تسخير**هذاك البدري(البدري)لمع نجم بلياليها
    سديد الرأي ومامن بأنه محور التغيير**جهوده دوم ما تنسى لأن الكون يرويها
    وسلامتكم
  • »!! (حسام)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    الحكومات هي التي تحدد كيف يتعامل الشعب, فإذا الحكومة كانت مهملة, سيكون الشعب أيضا مهمل. طبعا هذا لا يبرر أي من الممارسات الخاطئة التي يقوم بها كلاهما!!!
  • »شكر خاص (خديجه)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    قد لا يكون لدي المتسع من الوقت للتعليق على المقال ولكن بالتأكيد أود القول بأنني احترم كل من يكتب ليبني
    ومن يدري ربما تكون هذه المقالات هي بداية لطريق يعاد فيه بناء(الاوصال المتقطعه بين المواطن والحكومه)
    ولا يسعني إلا ان اشكر الكاتب الكبير هاني البدري بهذه الابيات:
    أبتبتل لجل هاني بسخر له الشعر تسخير**هذاك البدري(البدري)لمع نجم بلياليها
    سديد الرأي ومامن بأنه محور التغيير**جهوده دوم ما تنسى لأن الكون يرويها
    وسلامتكم
  • »شكرا (محمد حاتم المناصير)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    اشكرك كثيرا على المقال الرائع هو ليس بجديد على دافعي الضرائب فهم يعيشونه يوميا........... للمعلومة اثناء زيارتي للعقبة وتشجيعا لسياحة الداخلية ومشان ما نطير مصارينا في شرم الشيخ طيرت المصاري بالعقبة بس من خلال ردار قبل وبعد المنطقة الجمركية زي روشيتت الدواء ........ وردار بعد نهاية طلوع النقب تحت قارمة معان ترحب بكم ......يا استاذ هاني صار فينا مثل ما عمل سمعة لما راح يرضي بعيد عنك (الحمار ) والله ما بلتام .... لان كل ما عجلنا لف راح يلف معنا الردار سبحان الله صار بدمنا جزء منا ......... فشكلو لا راح نخلص واحنا بسيارات و لا حتى مع الحمير لانو يمكن يصير هناك ضريبة بدل متعة على الحمير ...... خصوصا مع الهواء النقي اللي في عمان وباتجاه الزرقاء لانو ابدا مافي عنا تلوث واللي بحكي غير هيك .......يا ويلو من محمد الوكيل ع الساعة 7:30 صباحا ......... تسلم ايدك استاذ هاني
  • »شكر خاص (خديجه)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    قد لا يكون لدي المتسع من الوقت للتعليق على المقال ولكن بالتأكيد أود القول بأنني احترم كل من يكتب ليبني
    ومن يدري ربما تكون هذه المقالات هي بداية لطريق يعاد فيه بناء(الاوصال المتقطعه بين المواطن والحكومه)
    ولا يسعني إلا ان اشكر الكاتب الكبير هاني البدري بهذه الابيات:
    أبتبتل لجل هاني بسخر له الشعر تسخير**هذاك البدري(البدري)لمع نجم بلياليها
    سديد الرأي ومامن بأنه محور التغيير**جهوده دوم ما تنسى لأن الكون يرويها
    وسلامتكم
  • »كلام من ذهب (Emad Al-nashash)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    والله يا استاذ هاني قديكون المواطن معذور حتى في بعض تصرفاته الغير لائقة لانه (اللي بدق الباب بلقه الجواب
  • »انت مع من (الدمشقي)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    افرحتنا في العنوان
    واخبرت عنا بين طيات كلماتك ..
    وجعلتنا نشعر بنشوة النصر باسلوبك الساخر
    وبنفس الوقت جعلتنا نشعر باننا متخلفين ..

    مقالة رائعة جدا شكرا لك
  • »المواطنة (عمر أبو رصاع)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    المحترم الأستاذ هاني البدري
    مقال ممتاز
    وربما نذهب أبعد لنسأل عن سر طبيعة هذه العلاقة بين المواطن والدولة، بالمفهوم العام، نسأل لماذا لدينا نقص حاد في الشعور المواطنة والمسؤولية؟
    نعلم جميعاً أن هناك عقد اجتماعي ينظم العلاقة، وحتى نكون منصفين علينا أن نظرح أسئلة تبدو مشروعة للجانب الآخر، أعني جانب ذلك المواطن الذي لا يرعى في مواطنته إلّاً ولا ذمة، وهي أسئلة ملغومة وخطيرة، تبدأ بحقوق المواطنة نفسها التي نطالبه في ضوئها بالتزامات المواطن، ولا تنتهي بأسئلة الهوية والمسؤولية الحكومية أمام المواطن دافع الضريبة، فلعل من أبسط حقوق المواطن في دولة مدنية أن تكون حكومته التي يختار مسؤولة أمامه وأن يكون من حقه أن يصل إلى كل المعلومات بحرية وشفافية، وأن يشعر أن حكوماته المتعاقبة لا تنظر له بعين الوصي بحيث تعتبره قاصر وذو وعي منقوص ويحتاج إلى من ينوب عنه في تقرير ما يناسبه، بل أن يشعر باحترامها له وبأنه هو بالذات صاحب الحق في أن تنوب عنه في إدارة الأمر العام وهو أيضاً القادر على حلها واستبدالها.
    أنا اتفق معك تماماً في كل ما جاء في هذا المقال، ولكني أيضاً أرى أن مشكلة المواطنة مشكلة تحتاج منا إلى وقفة نعيد فيها بناء العلاقة نفسها بين إنسان والبلد.
    أستاذ هاني
    لا شك أن المواطنة الحقّة وشعور الإنسان بالشّراكة وأن هذا البلد بلده وأن ما فيه ملك له ولأبنائه وأحفاده وإخوانه، وأن أي إضرار بالمال العام هو إضرار به شخصياً وبحقوقه، هو من أسس المواطنة السليمة في مجتمع متحضر، إلا أن إنساننا بهذه الدرجة أو تلك لا زال لا يملك هذا الشعور فهو في حالات كثيرة لا يشعر أن هذا بلده ولا أن هذه حكومته ولا أن المال العام ماله.
    فإذا أردنا أن نحل المشكلة علينا أن نطرح السؤال الكبير "لماذا؟ "وما هي الأسباب التي تقف وراء هذا التصور السلبي عند إنساننا؟
    إذا كنا جادين في طرح السؤال ومناقشته وطنياً سيكون بالإمكان أن نبلور عندها أجندة وطنية مشتركة ندافع عنها لبناء مواطنة حقيقية متكاملة غير منقوصة.
    دمت وسلم قلمك
  • »مقال رائع (zahi al yaseen)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    رائع هذا المقال
    لوحة جمالية حقيقية استطاع استاذنا هاني البدري ان يرسمها متحسسا افكارنا وهواجسنا ومشاعرنا كلنا فالعلاقة بين المواطن والحكومة ستبقى كما هي حتى تشعر الحكومات المتعاقبة انها وجدت لخدمة المواطن وليس العكس ..سلمت يداك استاذ هاني وشكرا للغد العظيمة بوعيها وصمودها امام الجهل والتردي
  • »المواطن........... (Esraa . M)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    لقد أوجزت مشاعرنا و "فشات خلقنا" , أوجزت شكاوينا و قصة حياتنا مع الحكومة, مقال ليس برائع بقدر ما هو لوحة فنية رسمتنا بها على الطرقات و في المنازل, مع الحكومة ومع أنفسنا, (المواطن والحكومة. علاقة مأزومة حتى يثبت العكس، وحتى يشعر الأول بأنه هدف وجوهر عمل الثاني وأساس وجوده، ) لقد توقفت كثيراً عند هذا السطر, ولو تحققت هذه العلاقة فسنكون بألف خير.. شكراً على تبني أفكارنا أيها المبدع...
  • »? (طارق شواوره)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    من موجود من اجل من؟ المواطن من اجل الحكومه ام الحكومه من اجل المواطن ؟
  • »المواطنة (Abdullah)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    هذه هي المواطنة يا أستاذ هاني!!
    للأسف فالمواطنة الآن باتت تعني لبس الشماغ و تشغيل "الأغاني الوطنية" ليل نهار على أعلى صوت... أما باقي المماراسات... فسلامتك.. كما تفضلت و أسوأ!
  • »حزام الامان (بلطجي)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    تمسك بالقانون حزاما للامان
  • »ما هي فوضى !!! (خالد يوسف)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    كما العقد النفسية لا تتحقق الطمأنينة الا .. بالانتقام !!
    لكن الشجعان القلائل لا يتصدون للظلم و الذل الا بالعدل سلاحا يأبى أن يحيد .. و يكبرون فوق الشعور بالألم و هم يلقون بزجاجاتهم الفارغة على قارعة طريق لا يعرفهم و لا يذكرهم .. أن تكون ضدا هو أعتى الأفعال الخلاقة لو أدركت كنه الضد.. الانتقام جهرا بالحسنى أشرف من تحسس شجرات الوادي و التنبؤ بالمخبوء وراءها تحت جنح الظلام.. ثم الهجوم الذي بلا لون و لا صوت و لا رائحة .. سلمت يدك على المقال الوصفي الجميل لحال أمة نحتت من بلائها لغة سرية لا تفقهها حكوماتهم المختبأة خلف الأشجار!