دروس اقتصادية من اليونان

تم نشره في الاثنين 15 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

تمر اليونان بأزمة اقتصادية قد تمتد لتطال بقية دول الاتحاد الأوروبي، وتعاني اليونان من عجز مرتفع في الموازنة بحوالي
7 % من الناتج المحلي، واليونان غير قادرة على التحكم بسياستها النقدية بالنظر الى ارتباطها بالعملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، وهي بذلك غير قادرة على التحكم بسعر الصرف أو أسعار الفائدة، لذلك فإن المجال الوحيد للتحرك أمامها هو السياسة المالية.

والحكومة اليونانية تدرك ذلك جيدا، ولهذا لجأت الى إجراءات غير مسبوقة، وتكاد تدخل في باب اللامعقول في رسم السياسات الاقتصادية، فقررت تخفيض النفقات العامة من خلال الحد في فاتورتي الأجور والتقاعد، على الرغم من أن هذه تعتبر حقوقا مكتسبة للعاملين، وليس من الواضح حتى الآن كيف ستنعكس آثار تلك السياسات على أداء الناتج المحلي، فالإضرابات باتت تشل اليونان، ولا تبدي الحكومة أية نية للتراجع عن قراراتها لأن البدائل الأخرى تعتبر كارثية، فالاستمرار بالإنفاق العام على ذات الوتيرة يعني تفاقم العجز والتداعيات الأخرى الممكنة على الاقتصاد.

وليس استحضار ما يحدث في اليونان لغايات تطبيقه ونسخه محليا، ولكنه مفيد في التوصل الى رسالة مفادها أن الخيارات حينما تكون محدودة، فإن الحل لا يكمن في التأجيل على أمل أن تتحسن الأوضاع، أو اللجوء الى بعض الإجراءات الجراحية وتحمل تبعات تلك القرارات، وهذا السيناريو على سلبياته يعتبر أفضل من التأجيل وانتظار الفرج الذي لن يأتي.

محليا قامت الحكومة بخفض النفقات خلال الشهرين المنصرمين بحوالي 160 مليون دينار، وفقا لتصريحات وزير المالية، وليس واضحا ما إذا كان هذا ممكن التحقيق على مدى الشهور المقبلة، لكن الأكيد أن هناك حاجة لضبط النفقات، وهذه بالدرجة الأولى تسبق الإجراءات الأخرى المتعلقة برفع الدعم عن بعض السلع أو إضافة ضرائب جديدة، وفلسفة التعامل مع العجز يجب أن تنطلق من مبدأ خفض النفقات وليس رفع الضرائب، والهدف هو الحد من العجز ومنع تفاقمه الى نسب عالية.

وفي هذا الإطار من الجيد أن تظهر الحكومة كيف تم ذلك الخفض وهل بالإمكان الاستمرار فيه، وهل هذا مدعاة للتفاؤل فيما يخص العجز المتوقع للعام الحالي.

من المفيد التطلع الى دروس من حولنا، فاليونان كحكومة تخاطر وتتخذ قرارات دفعت بالناس الى الشارع، ولم تنتظر المساعدة من المانيا وفرنسا، بل قررت اتخاذ خطوات من شأنها تخفيض نسب العجز الى نسب مقبولة، وهي بذلك تخاطر بالكثير، ولكن ثمن تلك المخاطرة يبقى من وجهة نظر الحكومة أقل من خطر الاضطرار للخروج من الاتفاقية النقدية الأوروبية وما يترتب عليه من تداعيات في القارة الأوروبية.

والدرس الآخر من اليونان، للأسف ليس هناك دروس بالمعنى الإيجابي، هو أن الأزمة الاقتصادية لم تصل الى القاع، فاسبانيا تنتظر أيضا دورها وكذلك البرتغال، ولنلاحظ أن الحلول في أوروبا لن تقوم على مبدأ التوسع في الإنفاق العام مثلما حصل في الولايات المتحدة، بل يقوم على مبدأ التخفيض، وهذه تدل على أنه لا توجد سياسات موحدة تناسب كافة الدول، وعلى الأرجح فإن ضبط الإنفاق العام، يعتبر الخيار الأصعب وهو المدخل لتعديل الاختلالات القائمة، نحن مقبلون على قرارات صعبة لتعديل العجز وتوقيت تلك القرارات بأهمية ذات القرارات.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تجربة المانيا فى مواجهة عجز الموازنة (د.محمود الحيارى)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    اود بداية ان اشكر اخى الدكتور سيف ابراهيم لاطلاعنا على التجربةاليونانية فى خفض العجز فى موازنتها ،وارغب فى هذا الصدد ان اذكر ايضا يتجربة المانيا فى خفض العجز فى موازنتها حيث تداعى نفر من اثرياء المانيا وابدوا استعدادهم لتحمل العجز فى الموازنة الالمانية وتقاسمة فيما بينهم ،وارى بان اثرياء الاردن بامكانهم ان يحذوا حذو اثرياءالمانيا بتحمل العجز فى الموازنة الاردنية ،ونحن بحاجةالى من يعلق الجرس.اشكر الغد الغراء والقائمين عليها للسماح لنا بالمشاركة.
  • »مممممممممممممممممم (علي سعيد)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    د. ابراهيم
    تحياتي
    والله ان هناك الكثير من الطرق في تخفيف النفقات خذ مثال هناك الكثير من الغير محتاجين ياخذون كتب اعفاء للمعالجة على حساب الحكومة او الديوان الملكي وهم قادرون على دفع هذا الفواتير نحن نتكلم عن عشرات الملايين تذهب دعم الى غير اصحاب الحاجة,

    ثانيا مستشفى الجامعة الاردنية او مستشفى الملك عبدالله كلاهما يعمل على اسس تجارية ولا يتم معالجة اي مريض دون ان يدفع اليس من المنطق ان يدفع على الاقل بدل ايجار للمبنى والذي كان ملك الى وزارة الصحة ومستفى الملك عبدالله في اربد ايضا يعمل بأسس تجارية لماذا لا يورد الى خزينة الدولة بعض من اموالة
    جرت العادة عند المدراء الماليين في مستشفى الجامعة ان يظهر تقاريرة المالية دائما مدين على أساس لا يبين الربح ... وهكذا اعتقد ان هناك الكثير من الطرق والبحث عن تخفيف النفقات وليس زيادة الضرائب
  • »ما العمل!؟ (رامي أبوعلي)

    الاثنين 15 آذار / مارس 2010.
    أشكر الكاتب إبراهيم سيف في مقالته "دروس إقتصادية من اليونان" المنشورة في جريدة الغد بتاريخ 15/03/2010 على طرحه لهذا الموضوع الهام بشكل يربط النسب الإقتصادية التي قادت اليونان إلى أسوأ أزمة إقتصادية عالمية في العام 2010 وتهدد بإنسحاب تأثيراتها على أحد أهم ثلاثة مراكز إقتصادية عالمية والمقصود هنا الإتحاد الأوروبي.
    لحسن الحظ فإن اليونان ليست شريكاً تجارياً ولا مستثمراً مهماً في الأردن، لذا ندعو لإقتصادهم بالتعافي، وأن لا يتعرض إقتصاد البلاد إلى هزة مشابهة، فعلى إفتراض أن الناتج المحلي للعام 2009 إقترب من الرقم 16 بليون دينار أردني، فإن نسبة عجز الموازنة العامة إلى إجمالي الناتج المحلي وصلت إلى 6.1% وهو ضعف حد الأمان المتعارف عليه (3%)، والعام 2010 قد يصل بهذه النسبة إلى 7% (بعد المساعدات)، وهي ذات النسبة التي وصلت لها اليونان!
    كما اليونان تماماً، سياستنا النقدية معطلة من خلال سياسة تثبيت سعر صرف العملة الوطنية وربطها بالدولار الأمريكي بإعتباره عملة الملاذ الآمن، ومرة أخرى كما اليونان لا تملك الحكومة المركزية سوى أدوات مالية من خلال إستحداث ورفع الضرائب، ومحاولة ترشيد النفقات ما أمكن، وإزالة كافة أشكال الدعم الباقية على ندرتها والهدف واضح أن لا ترتفع نسبة العجز في الموازنة إلى إجمالي الناتج المحلي عن 5% على أكثر تقدير.
    النسبة الأخرى التي تجدر الإشارة إليها هي نسبة المديونية العامة، فالحكومة الأردنية في حالة إنتهاك لقانون الدين العام منذ العام 2009، وقد تكون نسبة المديونية إلى إجمالي الناتج المحلي لم تصل إلى تلك المستويات المحتسبة في اليونان، إلا أن ذلك مؤشر خطر، بل والأكثر ضرراً في ترديد أحد أهم المنظرين الإقتصاديين في الأردن في أن القانون حدد سقفاً لنسبة المديونية إلى إجمالي الناتج المحلي، لكن ذات القانون لم يحدد أية عقوبات في حال إنتهاك الحكومة لهذه النسبة!!
    من المهم جداً أن لا تبقى الحكومات المتعاقبة تنتظر كرم الجيران والأصدقاء، فالبلاد مرت خلال عقدي الثمانينات والتسعينات بسنوات محدودة كان إنعدام الكرم فيها في التوقيت غير الصحيح، لذا فإنه وبالتوازي مع البحث عن الكرام، فإنه من الضرورة بمكان الترشيد الذي لن يكون له تأثير عميق على المدى القصير، بالإضافة إلى البحث عن دور يساهم في منح عقد قادم من الإنتعاش يسمح خلالها لأجندة وطنية تقوم على قطاع عام رشيق ونفقات جارية مقبولة، وبالتالي قدرة البلاد على تجاوز شبح التعامل مع صندوق النقد الدولي مستقبلاً.