الاقتصاد الأردني ومبدأ "الجزر المعزولة"

تم نشره في الخميس 11 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

سادت الأدبياتِ الاقتصاديةَ خلال فترة معينة فكرةُ أن الدول النامية التي تعاني الكثير من المشاكل، لا يمكن لها تجاوز كافة المشاكل التي تواجه تحدي التنمية مرة واحدة وبشكل يغطي كافة أنحاء البلاد والقطاعات، وانطلاقا من هذا المبدأ المجتزأ، ظهر ما يعرف بسياسة "الجزر المعزولة"، أو المناطق ذات الإنتاجية المرتفعة.

والفكرة تقوم على تكييف بعض السياسات وحل بعض الاختناقات التي تعطل انطلاقة بعض القطاعات الواعدة في بلد معين، وحال نجاح تلك السياسات فإنها ستؤدي إلى تحفيز قطاعات أخرى، وهكذا فإن التأثير الإيجابي سينتقل إلى بقية الاقتصاد عبر مراحل متسارعة، وبالنظر إلى بساطة منطق هذا المبدأ وسهولته فقد اتبعته عدد من الدول في آسيا وأفريقيا في المراحل الأولى، وانتقل إلى دول الشرق الأوسط في مراحل لاحقة.

والنتيجة الأكيدة بعد عقود من التجربة العملية أن النجاح جانب معظم تلك الطروحات، فالتمييز بين القطاعات بات مصدرا لتحقيق مكاسب فردية، وانتشرت جملة من القوانين المتعارضة داخل البلد الواحد، وباتت في العديد من الدول أنظمة حوافز تمنح الطبقة البيروقراطية هامشا واسعا من الاجتهاد الفردي الذي أسيء استغلاله، وحتى "جزر الإنتاجية العالية"، تبين أنها تعيش على الامتيازات التي منحت لها، وبات همها –الجزر- الحفاظ عليها وضمان أن لا تمنح لقطاعات أخرى. والبديل لهذه السياسة هو تطوير سياسة شاملة لمختلف القطاعات، وتعريف لبعض القطاعات الواعدة ضمن الإطار الشامل، فالمزارع مهما أبدع، لن يتمكن من تسويق منتوجه أو تصديره دون وجود سلسلة تزويد متكاملة، ينطبق ذات الحال على المصنع والتاجر وغيره، إلى هنا تراجعت أهمية مبدأ الجزر المعزولة، وتم استبدالها ببرامج ذات مدى زمني أطول، لكنه أصعب سياسيا واقتصاديا في التطبيق.

ومناسبة تناول مبدأ "الجزر" هو الحديث المتصاعد عن إمكانية الفصل بين السياستين المالية والنقدية، فهل يمكن الحديث عن أداء الاقتصاد الأردني فيما يخص السياسات العامة بشكل منفصل، وهل يمكن لنا أن نتخيل أن الأردن يمكن أن يستمر بالتوسع في العجز في الميزانية العامة من دون أن يكون لذلك تأثير مباشر على السياسة النقدية، وإذا كان الحال كذلك، فلماذا القلق أصلا من عبء الدين العام وتداعياته المختلفة، لننظر إلى اليونان البلد المحاط بالأصدقاء، والبلد الجزء من الاتحاد النقدي الأوروبي يهدد الاستقرار النقدي في كافة أنحاء القارة، رغم تواضع حجم الاقتصاد اليوناني بالنسبة إلى ألمانيا وفرنسا مثلا، لكن غياب القدرة على التحكم بالسياسة النقدية، مثل سعر الصرف وأسعار الفائدة أقلق تلك الدول التي باتت تفكر باطلاق صندوق نقد أوروبي للتعامل مع الأزمات.

وحتى لا نبعد عن موضوعنا الأساسي، المتعلق بكيف ننظر إلى الاقتصاد الوطني، فإن تجزئة النظرة إلى مكونات الجسم الواحد لن تقودنا إلى سياسات متسقة تتعامل مع المالية العامة والاستثمار والسياسة النقدية بشكل متناغم، بل ستجعلنا نطمئن إلى أننا بخير وأننا لسنا بحاجة إلى إجراءات جدية فيما يخص الحفاظ على الاستقرار الكلي الذي يعتمد على كافة المتغيرات الاقتصادية، سواء المالية أو النقدية منها، فسياسة الجزر المعزولة سواء في التحليل الاقتصادي أو لتنفيذ برامج ريادية ثبت فشلها، والأفضل اتخاذ قرارات صعبة لا نكون مجبرين عليها، وهناك بعض الحلول غير التقليدية التي يجب أن تقوم على مبدأ "إنفاق أقل فاعلية أكثر" والتي باتت تطبق عمليا في العديد من الدول من خلال مراجعة البنود الأهم في الموازنات مثل الصحة والتعليم، الاحتياطي الأجنبي يطمئننا لكنه يجب أن لا يؤجل السياسات المالية الضرورية الواجب اتخاذها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انفاق أقل فاعلية فاعلية أكثر (أبو عبد الله)

    الخميس 11 آذار / مارس 2010.
    لن نصل الى هذا الشعار ما دام هناك سياسات مالية تجميلية تتخبط حتة في اصدار القوانين المؤقتة ..بعيدا عن المحاسبة ، ليس فقط محاسبة المتورطين في القضايا المالية والادارية الحالية ، ولكن من تورطوا سابقا ، كون الميراث المالي والمديونية هي نتاج عمليات اقتصادية سابقة ومتراكمة