تحول السلفية-الجهادية إلى حركة محلية: نمط جديد

تم نشره في الأربعاء 10 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

يتعرض التيار السلفي - الجهادي لتحولات عدة، إما تحولات تفرضها ظروف صراعه مع الولايات المتحدة والأنظمة التي تحاربه، وإما تحولات يفرضها التيار ذاته بمنطق التكيّف والاستمرار. ولعل من أكثر التحولات لفتاً للانتباه ما يمكن وصفه، إن جاز التعبير، بـ "محلنة الجهاد"، أي تحول السلفيين-الجهاديين إلى حركة محلية، وليس فقط تأسيسهم لعلاقة "تحالف"، مع المجتمعات الحاضنة لهم. القاعدة، والسلفيون الجهاديون، فشلوا في العراق، وفي الشيشان، ومناطق أخرى في العالم بسبب فقدانهم تأييد الحاضن المحلي، ولطالما بقيت علاقتهم مع المجتمعات "المستضيفة"، علاقة تحالف، ولكن يبدو أن "المستضيفين" الآن، في مناطق مختلفة، بدؤوا يتبنون الإيديولوجية السلفية-الجهادية. وإن كانت اليمن والصومال مرشحتين لمثل هذا التحول، في ظل عدد من المؤشرات لمثل هذا التبني، فإن منطقة "أفباك"، أفغانستان وباكستان، تقدم المؤشرات تلو الأخرى على مثل هذه التحولات.

مثلاً، حركة "تحريكي طالبان باكستان"، بدأت تطرح نفسها كحركة وطنية باكستانية، حين صرح زعيم الحركة حكيم الله محسود، وفي خضم المواجهات مع السلطات الباكستانية في وزيرستان، العام الماضي، بأنه على استعداد لتوجيه سلاحه للهند إن كف الجيش الباكستاني عن قتاله، وقد كان هذا متوازياً مع تقارير كانت تشير إلى بروز نوع من الاستقطاب بين أوساط "البنجابيين" للحركة الجهادية، وهم أهل الإقليم الذي كان دوماً يحسب على الطبقة الحاكمة وكبار العسكريين. وقد صدرت، في هذا السياق، دراسة مؤخراً عن "وحدة أبحاث أمن باكستان" في جامعة برادفورد-بريطانيا، حول تزايد العنصر البنجابي في المجموعات المسلحة التي ترتبط بالحركات الجهادية في تلك المنطقة. حيث خلصت معدة الدراسة كاتجا ريكونين، إلى أن "المجموعة البنجابية"، تشكل عنصراً إضافياً لحركة طالبان بشقيها الأفغاني، والباكستاني، والذي كانت نواتهما دوماً قبائل البشتون، وترى ريكونين جماعات "بنجابية" مسلحة
كـ "عسكر جنجوي"، أو "جيش الصحابة-باكستان"، أو "جيش محمد"، أشّرت نشاطاتها الجديدة إلى نمط جديد يبتعد عن الأجندة الطائفية، التي كانت تعتمدها في نشاطها سابقاً، وباتت تعتمد أهدافا من أجندة حركة طالبان باكستان الأوسع.

وفيما يتعلق بالجماعات الكشميرية، على سبيل المثال، صدرت عن "المركز الدولي لدراسة التحول للراديكالية"، المرتبط بجامعة "كينجز كوليج" البريطانية، دراسة عن جماعة "لاشكر طيبة" الكشميرية، أعدها ستيفن تانكل المتخصص في الجماعة وشبيهاتها الكشميرية، ووجد أن هجمات مومباي، في نوفمبر 2008 التي نفذتها الجماعة، شكلت "أحدث خطوة لدى جماعة لاشكر طيبة نحو الاقتراب من جهاد القاعدة العالمي"، حيث إن "لاشكر طيبة"، الكشميرية الشبيهة، كان معظم نشاطها ضد الأهداف الغربية، في هذا السياق، خلال السنوات الأولى من هذا العقد، وكانت تتمثل بتقديم التدريب والدعم اللوجستي لتنظيم القاعدة وغيرها ممن يشنون "الجهاد العالمي"، ولكن حالياً، وعلى الرغم من أن ميثاق الجماعة ما يزال يدعو في المقام الأول إلى استهداف الهند، فقد شرعت الجماعة، خلال السنوات الأخيرة، في استهداف المصالح الغربية بشكل أكبر، وفقاً للدراسة، وتعزو ذلك، من ضمن أسباب أخرى عدة، إلى انتشار كوادر الجماعة في أفغانستان وانخراطهم في القتال ضد قوات التحالف هناك.

وعلاوة على هذا كله أيضاً يمكن ملاحظة أن المنتديات الجهادية باتت تنشر العديد من موادها المكتوبة والمسموعة والمرئية ليس بالعربية أو الانجليزية، في بعض الأحيان، بل بلغة الأوردو، اللغة القومية، إن جاز التعبير لدى الباكستانيين، وكذلك الكردية، والتركية، وبعض اللهجات الصومالية وغيرها، ومعظم هذه المواد لا تنحصر بالشؤون المحلية بل أيضاً ترجمات لكلمات قيادات القاعدة، والتيار السلفي-الجهادي.

مثل هذا التوجه، لـ "محلنة الجهاد"، يؤشر، بشكل أساسي إلى أن الخطاب السلفي-الجهادي، بات يلقى قبولاً، ويقدم رؤية حتى للجماعات الساعية للاستقلال، أو الانفصال (حسب تسمية كل طرف)، ما يؤشر بالمقابل على تراجع خطاب الحركات السياسية المسلحة لصالح الخطاب العابر للحدود.

التعليق