حكومات وبنوك مركزية وشعوب

تم نشره في الأربعاء 10 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

تعيش الحكومة الأردنية حالا صعبا وهي تحاول أن تضبط عجز موازنتها الذي ورثته باحثة في دفاترها القديمة والجديدة عن موارد تدعم بها نفقاتها الجارية التي لا تملك تغييرها ونفقاتها الرأسمالية الممكن تأجيل بعضها أو كلها، بينما السياسة النقدية تتفرج وتتغنى بودائع البنوك التي تجاوزت العشرين بليون دينار.

إذ ليس عدلا ولا مهنية أن نحمّل السياسة المالية والحكومة وحدهما مسؤولية مواجهة الظرف الصعب، فكلاهما بحاجة لسياسة نقدية فاعلة وأكثر، تنهي حيادية البنك المركزي وتأخر إجراءته لتتحول الودائع المكنوزة إلى استثمارات تعود بالربح على أصحابها والضرائب للخزينة الفارغة.

وحال الحكومة الأردنية هذه الأيام ليس غريبا عن حكومات كثيرة، بفارق واحد أنها ما تزال تملك بعض الوقت، بينما استنفدت الحكومات الأخرى وقتها وأكثر.

ففي أيسلندا، وبعد أن شارفت على الإفلاس، وظنت حكومتها أنها خرجت من عنق الزجاجة بعد أن اتفقت مع بريطانيا وهولندا على دفع مبلغ يزيد على 5 بلايين دولار حتى عام 2024 بفائدة سنوية 5,5% وذلك تعويضا لهما عن مبالغ دفعتها الدولتان لمواطنيهما بدلا من ودائعهم التي فقدوها عندما انهار البنك الأيسلندي (IceSave Bank) ، مقابل وعدهما بدعم أيسلندا للحصول على قروض تمكنها من تجاوز أزمتها.

وبعد أن وافقت الحكومة الأيسلندية على الصفقة رفعتها لبرلمانها الذي وافق عليها أيضا، ثم رفعتها لرئيس الدولة الذي رفضها بضغط من المواطنين، ما دعاه لعرض الموضوع برمته على الشعب الأيسلندي في استفتاء عام. وتم الاستفتاء وظهرت نتائجه يوم الأحد الماضي حيث رفض الاتفاقية 93% من المواطنين الأيسلنديين لأنها تظلم الشعب الأيسلندي وتحمله أعباء مالية كبيرة ستخفّض مستوى معيشته.

ولا تجد الحكومة أمامها الآن إلا إطاعة شعبها لتبدأ مفاوضات جديدة مع الدولتين المعنيتين للحصول على شروط أفضل، وانتظار أطول لتدفق القروض.

أما الحكومة اليونانية، فمشكلتها فيها بعض من مشكلة الحكومة الأردنية، عندما جاءت للحكم لتجد أمامها موازنة وصل عجزها لمستويات خطيرة ومديونية لا تقل عنها خطورة، ما افقدها زمام المبادرة ووضعها في موقف لا تحسد عليه أمام شعبها وشركائها في الاتحاد الأوروبي.

وبدأت محاولاتها الإنقاذية على كافة المستويات. داخليا، واجهت مواطنيها بالحقيقة المرّة وشرحت لهم عمق الأزمة التي تعيشها وصعوبة الحلول وأثرها على مستوى معيشتهم، وبادرت باتخاذ بعض الإجراءات، إلا أن ضغوط شركائها الأوروبيين لم تتوقف وهي تطالبها بالمزيد من الإجراءات التقشفية وضبط الإنفاق، فحاولت مرة أخرى، وخفضت الرواتب وجمدت الرواتب التقاعدية ما جعل المواطن اليوناني ينزل إلى الشارع محتجا ومضربا.

أشعر بالشفقة على الحكومة اليونانية وهي تسمع تصريحات أعضاء في البرلمان الألماني "أنّ على اليونان أن تبيع بعضا من جزرها التي لا يسكنها أحد لتسدد ديونها" بينما صدى تصريحات المستشارة الألمانية حتى الآن يصم الآذان "بأن ألمانيا لن تقدم سنتا واحدا لليونان"، وتصريحات الرئيس الأميركي "بأن ليس لديه الكثير ليقدمه لليونان".

لن يمضي وقت طويل قبل أن يتسرب الملل للمواطن الأردني ويتوقف عن سماع شفافية نائب رئيس الوزراء ووزير المالية عندما يرى دخله يتآكل وفرص عمله تتراجع وقروض حكومته تتزايد، ويصبح العنوان "حكومات مفلسة وبنوك مركزية محايدة وشعوب رافضة". وعندها نتساءل عن مدى نفع البنوك المركزية المحايدة المستقلة عندما تكون الإدارة الإقتصادية قد أوقعت الظلم بالخزينة والحكومة والمواطن؟

zayan.zawanh@alghad.jo

التعليق