الإعلام الأردني من الرقابة إلى قوة التنظيم

تم نشره في الثلاثاء 9 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

الخطوات التي اتخذتها الحكومة في سبيل تحسين البيئة الإعلامية هي بدايات موفقة للتخلص من ذهنية الرقابة ومن تراث الوصاية والعلاقات الزبونية مع وسائل الإعلام والمجتمع الإعلامي، بينما تفتح هذه الخطوات الأفق الإعلامي الأردني على مسارين؛ إما التنظيم والمزيد من المهنية والتخطيط العلمي، أو المزيد من الفوضى.

بدأت هذه الخطوات بإلغاء ضريبة الثقافة على إعلانات الصحف، التي عدت خطوة لكسب ود إدارات الصحف وملاكها من جهة، وباتجاه تنمية الصناعة الإعلامية من جهة أخرى، مرورا بمدونة السلوك الحكومي مع وسائل الإعلام، وأخيرا تعديل قانون المطبوعات والنشر الذي ستنعكس إيجابياته على مجمل المجتمع الإعلامي وصولا الى اليوم الذي نحتفل فيه بإلغاء قانون المطبوعات والنشر جملة وتفصيلا.

هناك الكثيرون الذين ينتظرون المزيد من الفوضى في الإعلام المحلي مرة باسم الحريات ومرة باسم تعدد المرجعيات أو بتبرير حالات الفوضى على اعتبار أنها مرحلة انتقالية حتى ينضج المجتمع الإعلامي ومؤسساته، وهي نظرية تفسيرية مفلسة وعدمية في حالة الإعلام الأردني ولن تولد إلا المزيد من الفوضى، التي سوف تزدهر في أكنافها أشكال متعددة من الاستبداد والقهر والإكراه الإعلامي والثقافي، وهي الأشكال الأكثر فتكا وإضرارا حينما يمارسها الإعلام على نفسه وعلى المجتمع إذا غابت عنه قوة التنظيم.

مراجعة تجارب الإصلاح الإعلامي والانتقال الى الإعلام الحر التي شهدتها العديد من المجتمعات منذ مطلع التسعينيات في عدد من الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية إضافة الى تجربة التحول العظيم التي شهدتها الهند نحو الديمقراطية والحريات الإعلامية، تمنح درسا يجب ان لا يفوت من قبل أي تجربة للإصلاح الإعلامي والذي يلخص بضرورة توفر قوة التنظيم، وهي القوة الوحيدة المفترض ان تحمي الحرية الوليدة وتحرسها من تناقضات المجتمع الإعلامي نفسه ومن قابليته العالية في كل مجتمعات العالم على النفاذ إليه من القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من الداخل والخارج ومن عودة السلطة مرة أخرى.

قوة التنظيم تحتاج إلى مؤسسة قوية وذات كفاءة عالية ومهنية حقيقية تقف على رأس هرم تنظيم الإعلام وقوانين صارمة في حماية الحرية وحماية المجتمع.

على مدى أكثر من عقد استهلكنا كلاما كثيرا تحت عناوين عديدة في البحث عن طريق آمن يقود الى إصلاح الإعلام، في الوقت الذي واصل فيه الأداء الإعلامي الرسمي تمرين "الخطوة تنظيم" المتعب منذ سنوات طويلة من دون ان يحدث التنظيم المطلوب على الرغم من تفكيك مؤسسات إعلامية وإلغاء أخرى، بينما تزداد إشارات الفوضى والرداءة ليس في الإعلام الالكتروني، وحسب، بل على الأثير والفضاء الأردني الجديد، كما يزداد الشعور بتراجع الحريات كما عكستها التقارير الدولية وآخرها تقرير (فريدم هاوس).

هناك أصوات عالية ومعلومات قليلة كلما أثيرت مسألة ذات صلة بوسائل الإعلام المحلية، فعلى الرغم من أهمية هذا الموضوع وحجم الأخذ والرد فيه لم يخرج علينا أحد بدراسات علمية أو تقارير محلية مستقلة ونزيهة تصف الأوضاع الراهنة، فيما تزدهر دراسات وتقارير متناقضة ومربكة ممولة من الخارج لصالح أجندات داخلية لأفراد وفئات لا أكثر وهي اللعبة المملة التي لم تعد تحتمل.

حان الوقت لإدراك ان أفضل طريقة لدعم الاصلاح الجاد والتنمية، التي تنفع الناس، تبدأ من الاستثمار الحقيقي في التنمية الإعلامية، وحان الوقت أيضا أن نجيب بجرأة وبمنطق علمي لماذا فشلت مؤسسات إعلامية عديدة في هذه المهمة، كما حان الوقت إلى الكشف عن حجم الفساد السياسي والاجتماعي الذي يمارس تحت ستائر الإعلام وأحيانا كثيرة باسم إصلاح الإعلام.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع (محمد النسعة)

    الثلاثاء 9 آذار / مارس 2010.
    حقيقة وليس مجاملة مقال رائع للدكتور باسم نشكره عليه ونرجوا من المسؤلين النظر اليه بجدية والعمل على تطبيق النصائح الموجود فيه
    والسلام ختام