هاني البدري

مواطن ومخبر وحرامي

تم نشره في الاثنين 8 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

 

“رضينا بالسلام .. والسلام ما رضي بينا”

أخيرا أجمع العرب على المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، فهلل الفضاء الإعلامي العربي بالخبر، موشِّحاًً الشاشات وأطراف المواقع بالشريط الأحمر بـ(خبر عاجل) “العرب يُجمعون على المفاوضات”.

الإعلام الأميركي هلل هو أيضاً للخطوة العربية “النوعية”، ومن باب الهوس الأميركي بتسويق السلام “انعجقت” الإدارة والخارجية وحزم جورج ميتشل –ثعلب المفاوضات القديم– أمتعته لينطلق الى المنطقة للبناء على الخطوة العربية الحميدة.

أما إسرائيل التي سعت لهكذا قرار على امتداد ستة عقود وأكثر، وأفنت (زهرة عمرنا) وهي تزايد بأن العرب هم من يرفضون السلام مع جارتهم الوادعة .. فلا تعليق أو إشارة بغبطة أو فرح أو حتى طرف ابتسامة.

رد إسرائيل على الخطوة العربية الجامعة وعلى “انعجاق” ميتشل وهيلاري “والريس” هو ما شهدناه في باحات الأقصى وعبر هذا التصعيد المكشوف في فتح ملف الحرم القدسي والإبراهيمي والمساجد والتكايا وإعلان ضم بعضها، فيما الأخرى بانتظار هدم أو تهويد.

لم تأبه إسرائيل لما تحمَّله وزراء خارجية العرب في القاهرة من ثقل القرار وعناء السفر و”برادة” الحوار، بل ذهبت لتعزِّز خطوة ضم الإبراهيمي وبلال بن رباح الى “صندوق الكنوز اليهودية” باستباحة ساحات الأقصى والتلويح مجدداً بأن مشروع الهدم بات وشيكاً كما تلمح بعض الصحف الإسرائيلية في “زواريبها”.

للحق وللتاريخ، تل أبيب رحبت بقرار العرب بشأن المفاوضات معها، لكن ترحيبها لم يطل، فعادت مباشرةً الى ما كانت منشغلة به قبل أن تُجمع رؤوس الدبلوماسية العربية على كورنيش النيل، استأنفت إعلانها ضم الوجبة الأولى من الصروح والمواقع، وتحدثت صحافتها عن استئناف عمليات الإخلاء في أبوديس والتحضير لعمليات حفر واسعة تحت أسوار المدينة بين باب العمود وباب الزاهرة حيث المحور الاستراتيجي للمسجد الأقصى ولكنيسة القيامة، ملحقاً بتوزيع إنذارات إخلاء لعشرات المحال التجارية والمساكن داخل منطقة باب العامود، والشروع في بناء وحدات استيطانية جديدة في المدينة.

عادت إسرائيل لما كانت عليه، وعادت الجامعة العربية لدعوة اجتماع عربي آخر، هذه المرة عبر وزراء الثقافة والتراث والآثار و(الذكريات) العرب. وربما قريباً ومجدداً وزراء الخارجية لمناقشة إمعان إسرائيل في عمليات التهويد.

هكذا تفكر إسرائيل، وهكذا نتصرف نحن، وهكذا أيضاً يستحضر الأميركيون وَهْمَ السلام ..”مواطن ومخبر وحرامي”، شكل فريد من العلاقة يربط ثلاثتنا، علاقة يَحكمها التباين وتَسِمُها التناقضات، التزمت إسرائيل الصمت في جريمة المبحوح، وفي تسريب أشرطة فتح جيت، ولازمت مقعدها في مدرج المشاهدين في أزمة الجواسيس والاختراقات ومصعب “ابن حماس”، والتزمت الصمت أمام ضجيج افتعلناه في قرار إجماع العرب على التفاوض، وأمام حماسة أميركية مفتعلة أيضاً تجاه سلام بنكهةٍ أميركية وتجميع إسرائيلي و(ركوب) عربي.

لقد عجزنا حتى اللحظة أن ندرك كيف يفكر الإسرائيليون على الرغم من “عِشرة العمر” و”جيرة” الباب المجاور.

والطريف أن الإسرائيليين أنفسهم أطلقوا موقعاً الكترونياً بالعربية باسم “حَزِبْرا” يعرِّفنا بجوانب لا ندركها في العقلية الإسرائيلية، وعلى الرغم من ذلك مازلنا..لا نفهم.

ولأن إسرائيل فتحت من دون عودة، على ما يبدو، ملف الضم والتهويد والهدم والحفريات التي لوَّحت بها طويلاً، وبدأت فرق الإزالة لبيوت ومحال في أنحاء عديدة من البلدة القديمة بعملها، وبدأت بتسريب كرات ثلج إخبارية نحو مواقع دينية أخرى في نابلس وأريحا، فإن على العرب، أقصد الرسميين منهم، توقع الأسوأ والتحضير له، فالقائمة ستطول، ودعوات الاجتماعات الطارئة ستنزل على رؤوسنا كالمطر، وستضيَّق قائمة العبارات العربية التاريخية التي نملأ بها الخانات الفارغة في بيانات الجامعة، وربما ستضطر الدول العربية الى نقل مقار وزارات خارجيتها الى القاهرة، واستئجار منازل لوزراء خارجيتها حول الجامعة وعلى الكورنيش أيضاً، للبقاء قريباً من الحدث، وتجنباً لمتاعب (السرِّي مرِّي..).

تذكرت خليل تفكجي، مدير الخرائط الفلسطينية، عند مقابلتي له في القدس قبل عامين عندما كرر على الكاميرا “إذا لم يتحرك العرب سريعاً، فإن ملف القدس سيدفن.. سيدفن”.

وأحزنني (الحييّ) الشيخ عكرمة صبري، قبل يومين عندما استضافته مذيعة مصرية، قاطعته وهو يتحدث عن ممارسات الاستباحة وانتهاك الحرم والهدم والضم والحفر، بسؤال حول رأيه باجتماع القاهرة وقرار العرب بالمفاوضات: لفظ الشيخ تنهيدةً طالت على الهواء، قبل أن ينقطع “الخط” ويذهب إمام الأقصى من دون عودة..

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من سرق قدسي ؟؟ (سجى)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    و حين يدفن ملف القدس الى الأبد سنبدأ باسترجاع الصور و ننفخ التراب المكوم فوقها لنستبين ملامح القدس التي كنا نعرف من زمان .. و سنبتسم بطرف شفاهنا شوقا و كمدا .. و سنبكي أياما صارت خارج سيطرتنا و تكبرنا.. و لكننا أبدا لن نحمل أنفسنا المسؤولية على ضياع القدس لأننا ببساطة .. جبناء على الحقيقة..
  • »مواطن و مخبر و حرامية كثير !!! (دينا الصلاحات)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    المواطن ملهي بلقمة العيش و المخبر ملهي بالمواطن و الحرامية شغاليييييييييييين... يعطيك العافية استاذ هاني البدري على المقال
  • »الى متى هذه المهزلة! (هلا زيد)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    يجب ان يستمر التفاوض حتى اخر منزل فلسطيني بالقدس، وحتى تصفية اخر مناضل شريف، وحتى يتم مصادرة كل المقدسات الاسلامية وهدم الاقصى، شكرا لجامعة الدول العربية لانها وافقت على التفاوض غير المباشر!!!
    ان الطفل الصغير يعرف ان التفاوض هو غطاء لاستمرار اسرائيل بمخطاطاتها، ارحمونا من المفاوضات ولاتكونوا غطاء لما يجري.
  • »تخيل (إبن الحارة القديمة)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    من لا يبصر في قلبه فليخلع عيناه...هذا المشهد القديم المتجدد لعرب الموائد والمفاوضات فيم الأجندة الإسرائيلية من مئات السنين قدأصدرت وبدأ العمل بها, فيم نحن نقضي أوقاتنا "بالقيل والقال" وهناك من ُيجهز على ما تبقى من أراضينا..المقصد في رحم الموضوع .. نحن نقدم على الإستسلام وهم يجرجرون الأرض بنا الى الذبح كالخراف .. لا أعلم .. فهل سيرزقنا الله بمعجزة كالبيت العتيق " للبيت رب يحميه" الله أعلم..من أخذ بالأسباب جعل لله له الطرق والغاية .. ونحن بعيدين كل البعد عن هذا الطريق..فمشهد هدم الأقصى ..لمجرد التخيل يأتي بصدمة كالموت..فماذا بعد
  • »حالة أبداع .. (د. فايز البدري)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    حبيبي أبو محمد .. نجد متعة غامرة في قراءة كل كلمة تكتبها وأنتظر و زملائي في أبو ظبي مقالتك الأسبوعية بفارغ الصبر..
    تتحفنا بالعنوان المميز والطرح الهادف والتحليل الممتع و تعيشنا في أجواء حرفية الأعلام..
    نهنئك ونهنيء أنفسنا على هذا التميز و الأبداع التي نحتاجه في كل واحد منا كل في مجالة لكي نحدث التغيير ..هذه هي الطريق..!

    أخوك أبو احمد
  • »رابط الموقع؟؟؟؟؟ (سلام)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    ممكن حد يبعتلنا رابط الموقع الاسرائيلي لا ني ما لقيته على الجوجل
  • »صدى كاتب (خديجه)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    لأن كلماتك تنبض بالحياه..
    لأن صوتك صدى لاصواتنا..
    لذلك
    فانك ان فتحت عينيك ونظرت فانك سوف تشاهد خيالك في كل خيال
    واذا ما فتحت أدنيك لتسمع فسوف تسمع صوتك في كل الاصوات
    فهذا هو صدى قلمك..
  • »أمريكا- بريطانيا-فرنسا-وغيرهم؟ (بركات الحوت)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    ياريت نعرف شو بدهم ولوين, لان لو طرح على اسرائيل شو السلام الذي تريدون لقالوا (أبجكشن)لانهم لم يرضو ولامن نبي أرسل لهم فكيف يرضوا بالسلام مع العرب.والأجتماعات زخ المطر؟..
  • »i thank GOD (mohammad)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    you know why my friend , because i don't have the suitable means to see tv , this is first and 2ndly i don't read but things i like to read to keep my nerves safe and healthy . see you later .
    وأحزنني (الحييّ) الشيخ عكرمة صبري، قبل يومين عندما استضافته مذيعة مصرية، قاطعته وهو يتحدث عن ممارسات الاستباحة وانتهاك الحرم والهدم والضم والحفر، بسؤال حول رأيه باجتماع القاهرة وقرار العرب بالمفاوضات: لفظ الشيخ تنهيدةً طالت على الهواء، قبل أن ينقطع “الخط” ويذهب إمام الأقصى من دون عودة..
  • »سطو على التاريخ ...لشعب بلا ذاكرة! (دانة الشيخ)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    إن عنوان مقالك أستاذ هاني ، ذكي جدا، نعم العرب هم المواطنون مع "وقف التنفيذ"، وأمريكا هي المخبر وشرطي سير "هاوية التفاوض" واسرائيل هي الحرامي ...الحرامي نعم، كل الحضارات على مر التاريخ ، طالت ام قصرت، كانت تترك للأجيال القادمة إرث حضاري" مدرسة، جامعة، مكتبة، مسرح، اختراع ما" باستثناء اسرائيل" شعب الله المختار" ليس له اي ارث حضاري ببساطة شديدة لأنه ليس له دولة سوى عمليات البلطجة والأتاوة والسطو على روائع الشعوب الأخرى..اسرائيل تعاني من عقدة الماضي ، من الآخر ..فهي تسطو على الماضي والآثار ..فيما العرب يتنازلون عن روعة ما قدموه للانسانية..في انتظار سلام المستقبل !!!!
  • »اسمع ونظر وتعلم (الدمشقي)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    يجب ان ننظر ونستمع جيدا لفكر وتخطيط هؤلاء الناس المبدعين والمخططين من اليهود .. هل نحتاج الى مئة سنة قادمة لكي نفهم وندرك مايفكرون بهاو مايرمون له

    يجب ان نقر ونعترف نحن العرب بان عقولنا مازالت مجمدة وغير قادرة على استيعاب مايحصل

    استاذي الكريم .. دمت ودام قلمك المبدع دائما
  • »التلموذ يجيب على كيف يفكر الاسرائيليون! (Ma'moun)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    ان الفكر الذي ينطلق منه الاسرائيليون ينبع من تعاليم التلموذ الكتاب المقدس لديهم. ان المتفحص لهذه التعاليم سوف يدرك بسهولة الخلفية التي ينطلق منها اليهود في تعاملهم مع باقي البشر. بإختصار هم يعتقدون انهم العنصر البشري الأعلى مرتبة على باقي البشر وان كل البشر يجب ان يكونوا عبيدا لهم. وان لهم الحق في استباحة كل شيء لتحقيق اهدافهم. وانهم يجب ان يعاملوا باقي البشر باحتقار تقربا الى الله وان من يعمل خيرا لغير اليهودي حسب تعاليمهم فإن الله يغضب عليه... الخ من هذه الانحرافات الفكرية والعقائدية. فكيف لمن يعادي البشر والحجر ويعادي رب البشر ان تتم محاورته وفتح باب للسلام معه! والله لو اعطيت اليهود الارض وما عليها ما رضوا ابداً. والله او انفقت اسرائيل جزء يسير من اموالها التي تستخدمها لقتل الفلسطينين والعرب كل يوم في تحسين اوضاع الفلسطينين في الضفة وغزة وتوفير حياة كريمة لهم لرضوا بذلك وتعايشوا مع الاسرائيلين ولكن اسرائيل لا تقر لها عينا ما لم تنكل في العرب ومن يقف معهم وتذلهم بشتى الوسائل. ان اللغة الوحيدة التي يفهمها الإسرائيليون اليوم هي القوة فقط.
  • »يا عزيزي كلهم لصوص (مواطن بدون مخبر)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    صباح الخير أستاذ هاني
    أعجبني مقالك اليوم و أظنني أشاركك الرأي بأن عنوان المرحلة هي مواطن و مخبر و حرامي ولكنني أختلف معك بتوجيه تهمة الحرامي لليد الأسرائيلية فقط لأن الحرامي بحق هم أولئك الذين أشرت اليهم بالجالسين على كورنيش النيل و اللي ايديهم عاوزه القطع ليس لأنها نهبتنا لا سمح الله و انما لأنها تؤشر بأصابعها المنفرجة على المكان الخطأ و الشخص الخطأ!!
    المواطن مسكين و المخبر أيضا.. ركزلي على الحرامي الله يرضى عليك .. و يعطيك العافية
  • »لم نعجز حتى اللحظة أن ندرك ... بل أن نكون (د. هانيبال يوسف حرب)

    الاثنين 8 آذار / مارس 2010.
    اقول حقا حقا: لم ولن نعجز حتى اللحظة أن ندرك كيف يفكر الإسرائيليون على الرغم من “عِشرة العمر” و”جيرة” الباب المجاور بل نعجز حتى اللحظة أن نكون في حين لم يعجزوا أن يكونوا رغم أنهم عاجزون فعلا لعدم حقيتهم .. ولكنهم يكونوا في حين لانكون تلك هي الحقيقة