أخطاء حكومات لا تعالجها حكومة واحدة

تم نشره في الاثنين 8 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

 

ليس من العدل إطلاقاً أن تتحمل الحكومة الحالية معالجة كامل آثار ومظاهر الاختلالات الاقتصادية التي تراكمت منذ أن ودعنا صندوق النقد عام 2001. فضلاً عن المضاعفات التي تسببت بها الأزمة المالية العالمية مؤخراً. لا نقول ذلك خوفاً على الحكومة فقط، وإنما خوفاً على أوضاع الناس ودفاعاً عن مصالحهم التي سيطالها ضرر كبير من تآكل دخولهم إذا ما ارتأت الحكومة أن تتصدى في عهدها لنتائج الاختلالات الاقتصادية دفعة واحدة.

لا يحتاج الأمر لحكمة عظيمة للقول أن مواجهة الحالة الاقتصادية التي تسبب بها نهج غير مسؤول دام عشر سنوات على الأقل، يتطلب خطة طويلة المدى أو متوسطة المدى لا تقل عن خمس سنوات في أقل تقدير. ولتكن خطة محلية التصميم والإخراج، تبدأ من الحكومة الحالية وتكون عابرة للحكومات، يتم الالتزام بها من الحكومات المتعاقبة على مدى سنوات الخطة، تماماً مثلما تم الالتزام بخطط الصندوق عبر اثنتي عشرة سنة.

تُحسِنُ الحكومة صنعاً في إظهار جديتها عن طريق وضع خطة متوسطة المدى كهذه بدلاً من تحميل الاقتصاد والمواطنين وزر معالجة أخطاء دامت لسنوات عديدة خلال فترة حكومة واحدة. لما لذلك من تبعات ثقيلة الوطأة على الناس وتحميلهم ما لا طاقة لهم به، وهو ما قد يؤدي إلى اضطراب في الأوضاع الاجتماعية بدأ يطل بصور لا عهد لمجتمعنا بها سابقاً من توتر وعنف وتفتت أسري وفساد إداري ومالي.

من يطلع على كتاب التكليف الملكي للحكومة وجواب الحكومة عليه يدرك حجم التحديات الاقتصادية التي باتت تواجهنا اليوم وعمق التغيرات الاجتماعية والسياسية والأمنية المترتبة عليها، ليس من حيث عددها فقط ولكن من حيث تنوعها وعمق آثارها أيضاً. وهو أمر يستدعي ابتداع مشروع إصلاحي اقتصادي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وليس الوقوف فقط عند حدود إصلاحات هنا وهناك.

الاستناد إلى مرجعية شاملة ومحددة يصبح ضرورة وطنية والحالة هذه. وأقرب هذه المرجعيات وأولاها بالاعتماد هي الأجندة الوطنية. نقول ذلك رغم اختلافنا مع بعض ما جاء فيها، لكن المصلحة الوطنية التي تحتاج اليوم لخطة واضحة لا بد لها من الاستناد إلى مرجعية محددة أيضاً حتى لا تتوه ونتوه معها.

أثبت الأردن قدرته على مواجهة الأزمات الاقتصادية في أكثر من مناسبة أبرزها ما واجهناه عام 1989 ودفعنا ثمنه تصحيحاً قاسياً أثمر بعد عشر سنوات عن تعافي الاقتصاد واستقرار نسبي لأوضاع المواطنين. وجنى الأردن ثمار التصحيح سنوات من النمو المتميز دام عدة سنوات قبل أن يبدأ بالتراجع بتأثير من ضعف إدارة برنامجي الاستثمار والخصخصة، وأخيراً بسبب موازنات غير حصيفة استمرت بالاتكاء على الدين الداخلي منذ العام 2003 من دون تقدير لمخاطر تزايد عجز الموازنة الذي كان يغطى بإصدارات متكررة لسندات خزينة بمعدل 400 مليون دينار سنوياً.

التقاعس عن وضع خطة متوسطة المدى عابرة للحكومات لمعالجة الاختلالات الاقتصادية وآثارها التي يلخصها عجز الموازنة بما وصل إليه من مستويات خطيرة، سوف يكرس للأسف حالة الترهل في إدارة الاقتصاد التي سادت لعقد مضى، كما سوف يمثل أيضاً إصراراً على السير على ذات النهج في المعالجات الجزئية والتعامل مع مظاهر الأزمة من دون التصدي لأسبابها، واستبدال مشروع الإصلاح الذي لا غنى عنه بإصلاحات هنا أو هناك. وسوف يتم ترحيل الأزمة أو جزء كبير منها شاءت أي حكومة أم أبت، وقد لا يكون بالإمكان تجنب نذر إرباكات اجتماعية سبق وأن عانينا آثارها قبل عقدين من الزمن.

التعليق