التسامح: من قيمة أخلاقية إلى قيمة حقوقية

تم نشره في السبت 6 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

 يتسم (إعلان مبادئ التسامح) الذي أعلنته منظمة اليونسكو ( موسكو-1995) بأنه يتخطى الدلالة الدينية المألوفة أوالأخلاقية لمفهوم التسامح. إذ لم يعد التسامح مجرد التزام أخلاقي فحسب وإنما حاجة سياسية وحقوقية تهدف إلى الاعتراف بالحقوق العالمية للإنسان وإلى ضمان الحريات الأساسية للآخر.

لقد غدا الوضع الإنساني المعاصر، عموماً، محكوماً بالتعايش والنزاع في الوقت نفسه. وهو الوضع الذي يقتضي مقداراً كبيراً من التسامح. ففي المجتمعات المتعددة الثقافات التي تحفل بالاختلاف في أنماط المعيشة والتفكير، وتنطوي على تنوع كبير في الآراء والعقائد، يحتل مفهوم التسامح أهمية مركزية. إذ لا معنى للتسامح في أوضاع المماثلة والنمطية في الأفكار والعقائد. من هنا يؤكد راينر فورست في كتابه "التسامح في النزاع" على الارتباط العضوي بين التسامح والتنازع، مشيراً إلى أن التسامح ينبثق عن التنازع ويولد من رحم النزاعات البشرية.

لا يمكن عدّ التسامح قيمة أخلاقية مجردة ومطلقة، منفصلة عن التاريخ والتطور. وهو ليس مجرد مبدأ يرنو من خلاله الإنسان إلى التعالي على تناقضات الواقع القائم، وإنما يتوقف معناه على ثقافة العصر السائدة وعلى علاقاته الفعلية. وإذا ما فصلنا مفهوم التسامح عن سياقه التاريخي وعزونا إليه وجوداً مستقلاً عن التاريخ فإن من شأن ذلك أن يفقده كل قيمة إنسانية وعملية.

لم يرقَ مفهوم التسامح إلى مستوى المفاهيم الفلسفية المتماسكة إلا في إطار الصراع بين فكر الأنوار والكنيسة المسيحية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. ولكنه قبل هذا الزمن بكثير كان موضوعاً للتأملات الفلسفية والوصايا الدينية والأخلاقية. إن مقولة سقراط الذائعة "إني أعرف شيئاً واحداً هو أني لا أعرف شيئاً" تكرّس لوعي التسامح عبر إقرار عميق بالتواضع العقلي الذي يحتمل القبول برأي الآخر والاختلاف معه في آن. وكذلك الأمر مع الإمام الشافعي الذي شاع عنه قوله "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب" لكن الأكثر جرأة ووضوحاً هو قولٌ ينسب إلى الإمام جعفر الصادق يرفض فيه التعصب بحسم أخلاقي ومعرفي لامتناه. يقول: "التعصب حتى للحق خطيئة". في الخطاب الفلسفي المعاصر رسخ كارل بوبر مبدأ "اللاعصمة من الخطأ" الذي أكدّ من خلاله على نسبية الحقيقة من وجهة نظر أبستيمية. ومن منظور أخلاقي أقرّ بضرورة الاختلاف ومشروعيته.

مجّد فولتير الاختلاف والتسامح من خلال جملته المشهورة "قد لا أتفق معك ولكني سوف أدفع دمي ثمناً لحقك في الكلام". وبخلاف الأخير تحدّث الفيلسوف الألماني إمانويل كانط عن الوقع المتعجرف لكلمة (التسامح). وبالمثل كان غوته يعدّ التسامح مهانة. ويرى أن التسامح ينبغي أن يكون مؤقتاً وإلى حين وأن يؤدي إلى الاعتراف في نهاية المطاف.

كان الألماني الأشد راديكالية فريدريك نيتشه يرى أن غاية الإنسان في الحياة هي السعي إلى امتلاك القدرة والقوة. ومن ثم فإن مطلب التسامح لا يعدو أن يكون سوى عقيدة للعبيد والضعفاء الذين يفتقرون إلى الإرادة والقدرة على الانتقام. إن التسامح، من وجهة نظره، هو مؤشر على العجز والانحطاط ومظهر من مظاهر الخنوع والترويض والاستكانة، علاوة على أنه ينطوي على مقدار كبير من المهانة والاحتقار للكرامة الإنسانية. ولم يجد الماركسي الروسي ليون تروتسكي بدّاً من التشكيك في جدوى التسامح قائلاً: لقد مضى ألفا عام تقريباً مذ أن قيل "أحبّ أعداءَك" و"أدر خدك الأيمن..." ومع ذلك حتى الأب الروماني المقدس لم ينجح في تحرير نفسه من كراهية أعدائه. ويبقى لاعتراف المهاتما غاندي، قديس اللاعنف، أهمية استثنائية على هذا الصعيد حين قال "لا أحب التسامح ولكني لا أجد أفضل منه"، فقد وجد نفسه مرغماً على الاعتراف بأن شيئاً ما مكروهاً هو الأفضل بين الأشياء التي يراها وهو الأنفع.

خلاصة القول؛ يؤشر التسامح على الموقف من آراء الآخرين وعقائدهم ومصالحهم. كما يعكس مقدرة المرء على التعايش مع عاداتهم وأنماط السلوك لديهم. وتبرز الحاجة إلى التسامح بهدف الوصول إلى التفاهم والاتفاق حول المسائل الخلافية ووجهات النظر المتباينة، وبغرض الخروج على المصالح المتعارضة من دون اللجوء إلى القسوة أو العنف أو الإقصاء. لكن السؤال الذي يظل قائماً هو: هل التسامح يعني أن نتسامح مع غير المتسامحين؟

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.or.

*باحث سوري.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ام القيم هي قيمة التسامح (احمد الجعافره)

    السبت 6 آذار / مارس 2010.
    اشكر الكاتب سربست نبي على طرحه قيمة التسامح في مقاله هذا لانها باعتقادي ام القيم الانسانيه ؛ حيث ان هذه القيمه اذا وجدت عند الفرد وتأصلت داخل المجتمع نستطيع ان نقول ان هذا المجتمع محصن من الفتن والنزاعات التي يكون اساسها هو عدم وجود تسامح بين الافراد وبالتالي داخل المجتمع؛
    وفي الحديث عن التسامح هناك مفهومان لدى الثقافه العربيه لهذه القيمه ؛
    احدهما ينطلق من مقولة - العفو عند المقدره- وهنا يبرز مفهوم المنيه المتعاليه عند القوى في مسامحتة المغلوب وبالتالي هو الذي يفرض شروط الصلح كنتاج للقوه وليس للاخلاق الحسنه ؛
    وهذا الصلح الجائر هو الذي ساد خلال تاريخنا العربي الاسلامي بين الحاكم الغالب والمحكوم الرعيه ؛
    اما الفهم الآخر للتسامح كما
    اوضحه الفلاسفه والعلماء فهو تسامح مبني على التساوي بين الفريقين حيث لا غالب ولا مغلوب ويتم بناءا على هذا الصلح كتابة العقد الاجتماعي العادل للجميع حيث يتم التأسيس لقانون يراعي جميع الفئات والاعراق والطوائف والاديان والاقليم وغيرها من التشكيلات الاجتماعيه التي ترعرعت في عصر الانحطاط وغياب التسامح ؛
    وعوده الى سؤال الكاتب القدير سربست نبي حول هل يعني التسامح ان نتسامح مع الغير متسامحين؟
    اقول:ان هذا السؤال عام جدا ولا يحدد مفاهيمه بشسكل واضح لذالك يتعذر الاجابه على سؤال يعتمد على التخمين في اهدافه؛
    بمعنى من المقصود بغير المتسامين ؟
    فان كانت فئه سياسيه فمن الخطأ اعتبار الجميع غير متسامحين رغم برنامجهم الفكري كي يقول الكاتب الغير متسامحين؛فانت لا تستطيع ان تجمع مجموعه من الناس مهما كانت ايدلوجيتهم السياسيه وتقول ان هؤلاء غير متاسمحين وبالتالي عليك وضعهم في سجن اصلاح حتى يؤمنوا بالتسامح؛ فالاصل ان الانسان يسعى للتسامح كقيمه اخلاقية عظيمه مع جميع الناس وحتى مع الحيوان انا اتسامح معه من منطلق اخلاقي انا وليس ردة فعل على تصرفات الحيوان؛
    اذن التسامح ليس انتقائي يقرب هذا ويبعد ذاك الا في ذهن من يعتقد ان التسامح نهج سياسي وليس قيمه اخلاقيه انسانيه يجب على من يمتلك مفاتيحها ان يعمل على نشرها دون ردة فعل او انتظار مقابل مضمون يخشى ان لا يحصل عليه من الآخر المختلف.