القانون المدنس والأصنام المقدسة

تم نشره في السبت 13 شباط / فبراير 2010. 02:00 صباحاً


جاء في الأخبار الأسبوع الماضي ان زوج رئيسة الهند أُجبر من قبل محكمة هندية بإعادة أرض تردد أنه استولى عليها من مزارع هندي بسيط قبل سنوات.

المدعي أمام المحكمة الهندية هو "كيشور بانسود" مزارع بسيط  ينتمي الى جماعة عرقية تدعى "الداليت" تقع في أدنى سلم النظام الطبقي الهندي القديم وهي جماعة كانت تعد لوقت قريب من الجماعات العرقية المنبوذة والمهمشة، اما المدعى عليه فهو "ديفي شيخاوات" زوج رئيسة الهند "براتبها باتيل" التي تقف على رأس السلطة في اكبر ديمقراطية في العالم من جهة عدد السكان. احتاج إعادة الحق الى صاحبه ستة شهور فقط، بينما لم يتجاوز تعليق مكتب الرئيسة والتحالف التقدمي الذي تنتمي اليه الرئيسة بقيادة حزب المؤتمر أكثر من أن زوج الرئيسة مواطن عادي ولا يتمتع بأي ميزة أو حصانة خاصة.

قيمة المثال الهندي تكمن في قدرة الدولة في الوصول الى نضوج يمكنها أن تضمن بأن يعمل القانون من اجل الجميع وان يصبح هو المقدس السياسي الوحيد، وهي الفكرة المركزية وحجر الأساس في بناء الدولة الوطنية الناضجة وإدامتها، فبعد ان تجاوزت التنظيمات البشرية فكرة دولة اللاقانون،  تبدو مرحلة ان تتحول الدولة لكافة مواطنيها بالقانون هي المرحلة الأكثر إحراجا كما نشهد ذلك في معظم البلدان العربية.

 ولعل مثال الأرض ومن يملكها وكيف يتم تدوير الملكيات العامة والخاصة واحد من أكثر الأمثلة الدالة على نموذج القانون الرخو الذي صبغت به الممارسات التي مارست، باسم القوانين العربية، أكبر المقامرات في اللعب في أصول الملكيات من منطق الاقطاعيات الكبرى الى منطق نزع الملكيات وصولا لبيع الأملاك العامة من الأراضي تحت عناوين الاستثمارات التي لا تأتي، لا فرق بين جمهوريات القبائل في اليمن ولا صداع رأس المصريين بين الملاك الطارئين والفلاحين وصولا الى فضائح ملفات بيع الأراضي تحت ألوية الثورة والتحرير في القدس والمدن الفلسطينية.

عبر عقود من عمر الدولة أو السلطة في العالم العربي حتى هذه اللحظات كانت الأرض اكبر رمز لغياب دولة القانون؛ عاملت الدولة الرخوة الأرض على أساس انها قطعة قماش كبيرة تفصل منها ما تشاء وحسب المقاس والطلب، ما خلق أهم مصادر الاختلال في توزيع ثروات المجتمع، وما يورث اليوم كل هذه الاختلالات التي تجعل الدولة عاجزة عن أبسط مقومات وجودها في ان يعمل القانون من اجل الجميع.

والمقصود هنا أن الدولة الوطنية التي ينجزها عقد اجتماعي ناضج يحسم كل صراعات وتناقضات الكل الاجتماعي لمصلحة الدولة التي هي في المحصلة مصلحة الفرد، ومجموع مصالح الأفراد في المحصلة أيضا مصلحة الدولة؛ هي الدولة القادرة على جعل صيانة القانون وحمايته مهمة مقدسة فوق كل الاعتبارات لا يُقبل فيها مساومة ولا تحتاج تأجيلا، ولا يمكن تصور ان تقبل دولة عاقلة تبحث عن الاستقرار والاستمرار ان يكون فيها جماعات أو أفراد فوق القانون ولا مناطق لا تصلها يد القانون، ولا قضاة ترتجف أيديهم في القبض على جمر صرامة القانون وسيادته.

 الأمر الذي يفسر لماذا تملك الدولة وحدها القوة وتحتكرها، ولماذا يقر العقد الاجتماعي بين الدولة ومجتمعها هذا الحق في الاحتكار، أليس محاربة كل أشكال الاحتكار الأخرى هي مسائل في صلب الأمن الاجتماعي والوطني حيث يمكن  تفسير تفرد الدولة باحتكار القوة وممارستها بقوة القانون في مواجهة كل أشكال القوة والنفوذ والسيطرة الأخرى.

  يبدو أن الهنود وغيرهم من الشعوب التي عبرت الضفة الأخرى نحو النهضة لم يشغلهم كثيرا فلسفات المدنس والمقدس واولوياتها والصراع حول الأصنام والأبقار المقدسة والتماسيح المجنحة، فقط اكتشفوا ان العبور للخلاص من كل أتعاب التاريخ وأمراضه المزمنة، وأن المفتاح الذي لا يصدأ هو حماية كرامة الناس وحقوقهم وبناء العدل، وأن المقدس الاجتماعي والسياسي الوحيد هو القانون.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الهند وعبور نحو سيادة القانون على الجميع (عيسى ال خطاب)

    السبت 13 شباط / فبراير 2010.
    مثل هذاالموضوع الذي تطرق له الدكتور باسم يحرك فينا مشاعر لطالما هي موجوده وبحاجة اكثر للتعبير اننا في البلاد العربية هل نسير عكس الطريق ام اننا نضع العصا بعجل الحياة او انناغاب عناابسط قواعد السلوك الانساني تساؤل يبقى بحاجة الى الاجابة من اصحاب النخب في البلاد العربيةمع الشكر الجزيل للدكتور باسم الطويسي