"ما بعد أسامة بن لادن"؟

تم نشره في الأربعاء 3 شباط / فبراير 2010. 03:00 صباحاً

ما إن يصدر شريط صوتي أو مرئي جديد لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، حتى يبرز نوعان من النقاش، على مستوى العامة وعلى مستوى النخب أو العاملين في المجال الإعلامي، والتحليل الأكاديمي والاستخباري.

على مستوى النقاش العام، فإن نظرية المؤامرة تبرز إلى السطح إذا ما يزال زعيم تنظيم القاعدة حياً، وهناك من يذهب أبعد من ذلك ليؤكد مماته، ويربط عدم الإعلان عن ذلك برغبة أميركية كي تبرر حربها على "الإرهاب". وأما على مستوى النخب فإن سؤال "ما بعد بن لادن"، لا ينفك يسأل مرة تلو الأخرى.

فيما يتعلق بنظرية المؤامرة، فمن المهم الإشارة إلى أن السلفيين-الجهاديين، يعدون التبليغ بوفاة شخص ما واجباً شرعياً لأن مقتل شخص ما أو وفاته يرتبط بمعاملات من الإرث والوصية، والأولاد...الخ، وبالتالي فإن مقتل أي من السلفيين-الجهاديين، لم ولن يبقى سراً في حالات كثيرة سابقة.

وبعيداً عن التفسير المؤمراتي، السؤال الأهم يرتبط بعما إذا كان وجود بن لادن أو غيابه يؤثر في نشاط السلفيين-الجهاديين، وتنظيم القاعدة، سواء في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان، أو اليمن، أو الجماعات المرتبطة بالتيار كـ "حركة الشباب المجاهدين في الصومال"، وفي غيرها من المناطق؟

من المهم الإشارة إلى أن أسامة بن لادن بات رمزاً للسلفيين-الجهاديين، وبطبيعة الحال فإن فقدانه، يعد خسارة كبيرة للتيار، ولكن ليس من الواضح أن ذلك سيؤثر سلباً في نشاطات التيار، على الأرض وذلك لعوامل ثلاثة ميدانياً؛

أولاً: فكرة "الجهاد الفردي"، والتي دعا لها مراراً أسامة بن لادن نفسه، ومن خلال ملاحظة قصص انضمام عدد ليس بالقليل بالحركات السلفية-الجهادية، وخاصة في الغرب، يلاحظ أنها باتت أسلوباً تجنيدياً ناجحاً لدى السلفيين-الجهاديين، خاصة وأن وجود الانترنت بات الوسيلة الأساسية في نشر أدبيات التيار من نصوص، وسمعيات، ومرئيات. وبغض النظر عن أن عملية التجنيد تتخذ بعداً تنظيمياً لاحقاً، فإن عملية المبادرة باتت غير مرتبطة بتنظيم القاعدة-الأم الذي يتزعمه أسامة بن لادن.

ثانياً: تنظيم القاعدة، ومنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بات تعبيرا عن ايديولوجية، ورسالة أكثر من كونه تنظيما هيراركيا، يوجه وينفذ العمليات وحده، بل باتت هناك قواعد لا قاعدة واحدة، سواء في العراق، أو بلاد الرافدين، أو في المغرب الإسلامي، أو بلاد الشام، أو أوروبا، وبالطبع تتراوح هذه التسميات لتعبر عن تنظيمات حقيقية أو مجرد أسماء تنسب للقاعدة.

ثالثاً: بالإضافة إلى كون القاعدة، باتت تعبيرا عن تيار ممتد لا عن تنظيم، فإنه انتقل أخيراً إلى مرحلة ربط هذا الانتشار والامتداد بمناطق جغرافية مختلفة، تبرز كملاذات آمنة، بهدف "استنزاف" الولايات المتحدة الأميركية في "جبهات" عدة، وفقاً لتعبير بن لادن نفسه. وما يلاحظ، في سياق هذا المقال، أن هذا الارتباط ببقاع جغرافية معينة، وفي ضوء تلك الاستراتيجية، يتطلب قيادات محلية، تكون لها صلاحية اتخاذ القرارات، وذلك على الرغم من التقدير والترميز العالي الذي يحظى به بن لادن لدى هؤلاء القادة. وعلاوة على ذلك فإنه حتى حلفاء القاعدة، كطالبان أفغانستان، أو  باكستان، باتوا يعتنقون "الإيديولوجية السلفية-الجهادية"، ولم يعودوا مجرد حليف أو "مستضيف" للقاعدة. مثلاً أبو دجانة الخراساني كان ينشط لحساب طالبان-باكستان، وكذلك مسؤول عن التجنيد لصالح التنظيم ذاته، يعرف باسم "سيف الله"، اتهم بتجنيد شبان أميركيين مسلمين، هذا بالإضافة إلى علاقته بجماعات كشميرية، يشك بأنها تنشط في المناطق الحدودية بين باكستان وأفغانستان.

وعلى ما سبق، فإن تناول تنظيم القاعدة، والتيار السلفي-الجهادي، بحثاُ وتحليلاً، بمنطق  الجماعة المسلحة فحسب، يعد اقتراباً خاطئاً، لأن التنظيم بات أحد "الفاعلين-اللادولة" في العلاقات الدولية، الذي له ايديولوجيا توجه سلوكها السياسي، والظروف السياسية والاجتماعية-الاقتصادية، والأهم أنها تخلق ديناميكيات للتكيف مع حالة الصراع الذي تعيشه، ولم تعد منظمة ترتبط بأشخاص معينين.

shishani.murad@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التنظيم تحول ليستوعب قيادات جديدة (أنس الرواضية)

    الأربعاء 3 شباط / فبراير 2010.
    أشكر الكاتب المحترم مراد بطل الشيشاني على مقالتة الفذة وأقول
    نجحت إدارة بوش في إطاحة نظامي طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق، ولكنها خسرت الحرب عليهما، لأن الدول العظمى تستطيع تدمير الدول الصغرى أو الضعيفة، لكنها لا تستطيع الانتصار عليها كما علمنا التاريخ وكما أثبتت ذلك وقائعه.
    إلا أن التنظيم تحول من الصيغة الهرمية (قمة ووسط وقاعدة) إلى تنظيم أفقي متسع بقيادات ميدانية مستقلة، كما تحول إلى أيديولوجيا غير محدودة بالجغرافيا والقيود المادية تتحرك وتجول كيفما يحلو لها.
  • »ما بعد بن لادن (moutazmas)

    الأربعاء 3 شباط / فبراير 2010.
    لا اعتقد انه سيأتي من بعد بن لادن احد ... ولكن من الممكن ان تأتي قيادات اخرى تنتهج نهج بن لادن .... وسيصبح هناك كتب وتفسيرات لما بعد بن لادن .. لتكتمل المنهجيه الواضحه لجعل بن لادن اسطوره والانشغال به ... او الانشغال له
    لا يوجد فكر بينهما .. ف بالاتجاهين هناك فريقان يتقاتلان ... ودماء تسال باسم الجهاد او باسم القضاء على الارهاب
    والاهم من ذلك زرع تلك الفكره في عقول الاجيال ... فكره سوبرمان او اسامه بن لادن
    شكرا اخي مراد على الطرح الجيد
  • »هل يعني هذا ... ؟ (هيثم الشيشاني)

    الأربعاء 3 شباط / فبراير 2010.
    هل معنى ذلك أن الثقافة البن لادنية تم تأصيلها بشكل أو بآخر عالميا ً ؟
    بمساعدة التكنولوجيا هل أصبح استنساخ بن لادن ك(ظاهرة) أمرا ً علينا القبول به و حتى إشعار ٍ (أميريكيّ) آخر؟
    ما بعد بن لادن -برأيي- بن لادن آخر ، ببساطة مأساوية أستاذ مراد.
  • »رائع (القربي)

    الأربعاء 3 شباط / فبراير 2010.
    مشكور جدا على هذا المقال وشهاده لله لم اقرء مقال من قبل قام على هذا البحث بطريقه علميه صحيحه رغم قصره كفيت وفيت