من سرق الحياة من وسط البلد!

تم نشره في الاثنين 1 شباط / فبراير 2010. 02:00 صباحاً

أيام زمان، حين كنا صغاراً، كان المشوار من أي من جبال عمان إلى "البلد" (هكذا كنا نسمي وسط عمان) رحلة حقيقية... وتحتفظ ذاكرتي بصور بعينها عن تلك الرحلات، لا أعرف لماذا: مقود سيارة السرفيس المرسيدس-190 من العظم عاجي اللون، وعليها نصف دائرة من المعدن الفضي يضغطها السائق لإطلاق "الزامور"، وناقل التروس المثبت تحت المقود، وقد عانقت طرفه قطعة عظم بيضاوية صغيرة بلون المقود نفسه، وحبذا لو كان حظك أن تجلس في حضن أمك، أو أبيك، في المقعد الأمامي لتستمتع بالتفاصيل، وتتعقب يدي السائق وهما تديران "الطارة" وتتبعان التواءات الطريق.

وفي "البلد".. يا الله!.. موقف الحافلات، وأناس كثيرون تصطدم بهم على الأرصفة، وتتشبث بثوب أمك -أو يد أبيك- حتى لا تضيّعها لحظة فتضيع في الزحام.. تبحث عن بائع الخروب أو التمر هندي بصحونه المجلجلة، وتشد ثوب أمك، أو يد أبيك حين تراه، لتشرب كأساً خمرياً من إبريقه المعدني الكبير المتعرق من ثلج الداخل وحر الخارج.. وتحدق، باندهاش الطفل، في واجهات المحلات المليئة بالأشياء الجديدة.. وآلاف الصور التي لا يسعها مقال!

وحين كبرنا قليلاً، كان "النزول إلى البلد" طقساً يومياً أو شبه يومي، حتى كان الواحد منّا يعرف ما يتغيّر في واجهات العرض لشدة ما حفظها. وكانت معظم صداقاتنا الجديدة تبدأ مع كوب شاي أو قرفة في أحد مقاهي وسط عمان التي تبقى ساهرة مع قعقعة النرد على الطاولات، ونداءات النادل يوصي بفنجان قهوة أو نرجيلة "تمباك". وتهبط لتختلط بالناس الذين يزاحمون الأرصفة..

غبت عن "البلد" بضع سنوات، قلّت فيها مشاويري بسبب انتقال عملي إلى مكان قريب من مسكني، وخطر لي في الصيف الماضي أن أصطحب صديقاً إلى وسط عمان في إحدى الأمسيات، على سبيل التغيير.. ويا لشدة ما تغيرت عمان البلد في بضع سنوات! أصبح بوسعك أن تركن سيارتك في شارع السلط، عند مقهى السنترال، بكل بساطة، بعد أن كان ذلك ضرباً من المستحيل.. والمحلات التي كانت تبقى ساهرة، أغلقت أبوابها قبل الثامنة.. وبعد المنطقة بين البريد المركزي، حيث افتتحت بعض المقاهي الجديدة من نوع "الكوفي شوب" وليس "القهوة"، وبين المسجد الحسيني، فليس سوى الفراغ.. ثمة حفنة من المارة وبعض الأجانب الذين يتناولون "الكنافة" في الشارع شبه المقفر قرب "البنك العربي".

أما شارع "قريش" أو شارع "سقف السيل"، فخاوٍ على عروشه. وتقمصت أمام صاحبي الثلاثيني من "ماحص" دور الدليل السياحي، وقد أدركت أنه لا يعرف "البلد"، فوصفت له كيف كانت منطقة السيل وجسر الحمام قبل سقف السيل، وكيف كان هناك الكثير جداً من الناس يملأون "البلد" حياة حتى ساعة متأخرة. وكنت كمن يقص شيئاً يصعب تصديقه وكأنه يأتي من زمن سحيق سحيق!

أفهم أن تتمدد المدن وتسمن، وتنشأ لها أطراف. وأعرف أن هناك مشاريع بالملايين لإحياء وسط البلد.. لكن الصورة أشبه بمشهد طبيب منفعل، يصطدم بالكهرباء قلب مريض متوقف.. يستريح لحظة مندهشاً ويمسح العرق عن جبينه بظاهر يده، ثم يعاود مسابقة الزمن وهجمة الموت بصدمة أخرى.. ما الذي حدث ليتوقف قلب عمان؟ لا شيء يمكن أن يفسر ويسوّغ، لأن قلوب المدن لا ينبغي أن تتوقف.

أتذكر "البلد"، وأفكر كيف سمّاها آباؤنا وأبناء جيلنا كذلك.. ربّما تعب أهل عمان حتى اختاروا لوسطها هذا الاسم (على طريقة الأغنية الفيروزية)، وفكروا فيه كثيراً.. ربّما لأن وسط عمّان كان هو بلدنا كلّه، مختزلاً في هذا الموضع الذي تنساب إليه الحياة من الجبال السبعة كما تنساب الجداول من حضن الينابيع، أو كما يسيل نسغ الحياة في شرايين الجسد حتى يتجمع في القلب، ويعود ليتوزع محملاً بالهواء الجديد وبالمزيد من الحياة.. ولا أفهم الآن، كيف سمحنا لشيء أو لأحد، أي أحد، أن يسرق حياة عمان "البلد"!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاستثمارات (raed)

    الاثنين 1 شباط / فبراير 2010.
    يعني لما كل اشي ينباع لرجال اعمال وخصوصا من جنسيات اخرى كيف بدك اتحافظ على التاريخ وعلى كل حال نحمد الله انو في حدا لسا بيتذكر عمان القديمة
  • »سؤال جوابه بسيط (أردنية)

    الاثنين 1 شباط / فبراير 2010.
    نقل مجمع رغدان من وسط البلد إلى المحطة كان السبب الرئيسي والمباشر في قتل وسط البلد.
  • »الام الحنونة عمان (يوسف العواد)

    الاثنين 1 شباط / فبراير 2010.
    اشكر الكاتب الذي فتح نافذة من نوافذ الذكريات الجميلة عن عمان القديمة والذي اعادني الا نوافذ اخرى من الذكريات اطل بها عليها اقدم من الصور الشيقة التي رسمها الكاتب بكلماته الجميلة.حيث انني من الجيل الذي عاصر عمان القديمة حين كان السيل قبل ان يبنى سقفه يشق طريقه من راس العين الى ما بعد المحطة .حيث الاشجار و الباساتين المجزئة على جانبيه.كان السيل بمثابة ارصاد جوية لنا نرصد به كميات الخير من الامطار .كان السيل في بعض الاحيان تحسبه نهرا من شدة هطول الامطار.هناك صور كثيرة في الذاكرة لا يتسع المجال لذكرها لانها تحتاج كتاب .وما اود قوله ان عمان القديمة هي ام حنونة عظيمة انجبت اولاد واحفاد من شتى الاصول و المنابت و تحكي قصة كفاح لمدينة صغيرة اصبحت كبيرة.عمان القديمة هي الشجرة وما الاتساع الذي شهدته ما هو الا امتداد لفروعها واغصانها تظل وتحن على الجميع.من حقها علينا ان نهتم بها ونصب عليها قطرات الحنان والاهتمام عرفانا بامومتها.اليوم الذي لا امشي فيه في عمان القديمة بشوارعها واسواقها وازقتها وادراجها اشعر فيه بالغربة .
  • »اجمل مكان في عمان (فايزة ابو جادو)

    الاثنين 1 شباط / فبراير 2010.
    تحية احترام الى الكاتب علاء , مقالك جميل وكني لا اوافقك الراي , وسط البلد صحيح تغير وكنة مازال نابضا وما زال مميزا عندما زرت وسط البلد قبل عدة اشهر كان من الصعوبة المشي في الشارع بسبب كثرة المارة المحلات والشوارع و الزقاق تعج بالمارة و الباعة و المتسوقين .....وسط البلد ما زال ..في نظري ..اجمل الاماكن ..
  • »سؤال . . . جواب (م. فراس)

    الاثنين 1 شباط / فبراير 2010.
    من سرق الحياة من وسط البلد؟!

    أمانة عمان الكبرى
  • »ابو ينال (ابو عبدالله ( زياد الحمدان ))

    الاثنين 1 شباط / فبراير 2010.
    أبدعت يا أبو ينال،،،، قلمك فش منه، وطرازك رفيع دوما
  • »هكذا تم قتل وسط البلد (عمر أبو رصاع)

    الاثنين 1 شباط / فبراير 2010.
    أستاذ علاء أسعد الله أوقاتك
    الحقيقة أنك أثرت شجونناً.
    يا سيدي بحكم أنني من المتضررين الأساسيين من موت البلد، الذين خسروا الكثير بسببه، نتيجة ظاهرة انقلاب الآيات عندنا، ذلك أنك تتخذ رزقك عند تزاحم الأقدام فيذهبوا هم بتزاحم الأقدام نفسه من أمامك!
    بحكم أني ممن عاشوا التجربة ومن رحم الوسط التجاري نفسه، الذي عاش المعانة وخراب البيوت عن كثب، أقول لك لم يكن هذا الموت وليد صدفة، وإنما تظافرت لتحقيقه مجموعة من العوامل، اسمح لي أن أجملها بالتالي:
    1- توسع الأمانة غير المنطقي والمدروس في منح الرخص التجارية داخل الأحياء السكنية المحيطة بالبلد، بحيث أصبحت هناك أسواق بكل معنى الكلمة داخل كل حي على حدا، وسواء في شرق عمان أو غربها لا يوجد حي واحد ليس فيه سوق.
    2- تحويل مسارات السير بعيداً عن قلب عمان، تجنباً للازدحام المروري، بدلاً من إيجاد الحلول الهندسية الممكنة كحفر الأنفاق.
    3- قطع الشرايين تماماً عن هذا القلب بحرمانه من الحركة الطبيعية التي تمر عبره، كان هذا تماماً هو نتيجة إلغاء موقف رغدان القديم وسط البلد، بعد أن انتظرنا سنوات لافتتاحه، وبعد مشروع تكلف ملايين الدولارات بتمويل ياباني، انتهى الأمر بهذا الموقف إلى مجرد مشهد خاو على عروشه، ليثبت الموقف في المحطة حيث كان الموقف المؤقت إلى حين الانتهاء من موقف رغدان الدائم، ليفاجئنا أمين عمان عمر المعاني وبكل بساطة بأن اللجان قررت بأن الموقف لم يعد يصلح.
    4- تثبيت الدوريات الراجلة في الساحة الهاشمية لتعقب العراقيين والمصريين والمواطنين أيضاً، (هويتك وجواز سفرك وإقامتك...) حتى تحولت الساحة من مقصد وملتقى للناس من مختلف الجنسيات إلى ساحة يتجنبها الناس جميعاً.
    هكذا يا سيدي تم قتل وسط البلد.
  • »يا الله شو مؤثر هالمقال (محمد العمايره)

    الاثنين 1 شباط / فبراير 2010.
    هذه هي اول عباره صدرت عني بتلقائيه عند قرأه المقال, البلد يا صاحبي ستمتلئ بلكفي شوبات والحداثه والفراغات الحضريه " كالساحه الهاشميه اللتي يعادتصميمها" بخبرات عالميه؟؟؟ اما من مثلي ومثلك فلهم مخزون الذكريات ؟ اما المطللين علي البلد -البعيدين عن المشاركه - المهمشين فهم اخر المستفيدين من تطورها-الا الحضري-ونستثني منهم بعض مجيري السلطه والتنميه؟ فلله درك يا بلد ؟؟؟؟