التمدّن ضرورة وليس ترفا

تم نشره في الاثنين 1 شباط / فبراير 2010. 02:00 صباحاً

تمثل نسبة الحضر في الأردن حوالي 90 %، ويفترض تبعا لذلك أن يكون المجتمع الأردني مدنيا، بمعنى أن تنظيم حياة الناس يقوم على القانون، وتنظم علاقاتهم الاجتماعية وحياتهم اليومية روابط المكان والعمل والمصالح والمهن والصداقة، وأن أسلوب حياتهم يحب أن يكون مستمدا من أسلوب عملهم ومواردهم، وأن تنظيم احتياجاتهم وأولوياتهم يجب أن يكون مستمدا من هذا الحال، ويتبع ذلك بطبيعة الحال البرامج والمؤسسات والتجمعات المفترض تشكلها وقيامها لأجل تلبية هذه الاحتياجات والأولويات.

وفي هذه الحالة فإن الإصلاح يقوم على الطبقة الوسطى في المجتمع، من المهنيين والأساتذة والتجار والأطباء والمهندسين، والطبقة الوسطى تنشأ وتعمل وتزدهر في المدن والتجمعات الحضرية، وهي التي تمنح المكان خصوصيته الثقافية والاجتماعية والعمرانية.

الكارثة العربية تقع في استخدام الأدوات والمناهج الريفية لإدارة دول ومؤسسات ومجتمعات مدنية كبرى، فإذا كانت الثقافة الريفية أو البدوية تكونها تجمعات صغيرة قائمة على نمط معين من الإنتاج والانتماء والحماية، فلا يمكن تصوّر كيف ستنظم هذه الثقافة تجمعات سكانية ومهنية وسياسية كبرى ومعقدة لا يربطها ببعضها ما يربط المجموعات الصغيرة من السكان المتشاركين في النسب والمصاهرة والعمل والحياة، وبالمناسبة لم يعد في الأردن ثمة بدو أو بداوة بالمعنى العلمي وأسلوب الحياة والإنتاج والحماية، والريف أيضا بالمعنى نفسه يكاد يختفي، ولم يعد له سوى جيوب محدودة.

يمكن سرد قائمة طويلة جدا من التشريعات والأحداث والظواهر والكوارث والمجازر والقرارات الكبرى والاستراتيجية التي ترد إلى ما لا يجب أن يحدث إلا في تجمعات صغيرة من البيوت الطينية أو بيوت الشعر.

 وفي تفسير الدكتاتورية وتسلط العسكر وحكم الأفراد يلاحظ دائما علاقة ذلك بغياب أو تهميش الطبقة الوسطى من المهنيين والبورجوازيين والمثقفين الذين يمثلون الخصائص الوصفية والتركيبية للمدينة، وبتسلط العصبيات الريفية والقبلية على الحكم والإدارة والأحزاب والجماعات.

وبالطبع فإن أول ضحايا التريف هي الديمقراطية، التي لا يمكن ترسيخها دون مدينة، وما يدور من حوارات ومحاولات للتنظير للديمقراطية يمضي بنا بعيدا عن الفهم الحقيقي الذي نعرفه جميعا، ولكنه للأسف لا يجد حماسا في حوارات الفنادق.

فالديمقراطية ليست هواية ولا أيديولوجيا، ولكنها عقد اجتماعي مع المكان، وتحققها منظومة سياسية واجتماعية وشروط بيئية محيطة تجعل تنظيم الحياة السياسية والعامة عقدا تلتزم به الأطراف جميعها، وتجد فيه مصالحها، ومن دونه تضيع هذه المصالح، وتتعثر عمليات تحقيق الحاجات الأساسية، وهذا لا يتم إلا في مدينة حقيقية يتجمع فيها الناس وينظمون أنفسهم على أساس مصالحهم واحتياجاتهم، وتقوم على طبقة وسطى كبيرة ومؤثرة.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »CIVILIZATION AND DEMOCRACY (mohammad)

    الاثنين 1 شباط / فبراير 2010.
    ألتّمدن هو التّحضُّر والتَّثقّف والذي يقودنا إلى الإنسان المدرك الواعي
    الراشد بالضرورة والتي تنبثق تلقائيا من تجمعاته السائدة القيادات
    المُنظِّمة والحاكمة وكأنما نحن بصدد ديمقراطية أخلاقية تفرض نفسها
    فرضا ... التمدّن والتمَدّنيّة وتمدُّنيّة التمَدّن ... ممارسة الفعل لتلقّي
    وظيفته بالقطع . / محمد