نعم سيدتي الحكومة

تم نشره في الأحد 24 كانون الثاني / يناير 2010. 03:00 صباحاً

في زمان محدودية صناعة القرار، وانعدام الصوت المنادي بالمشاركة في اتخاذ القرار، وشح الاستماع للرأي العام؛ تتذكر الغالبية، وربما لا شعوريا، أن القطاع الخاص هو الحلقة الأضعف في الاردن، فتتنامى "عقلانية" البعض في تحليل السياسات فيما يتعلق بأمور القطاع الخاص وكيف يجب أن تعالج همومه أية حكومة؛ فينتقد الأضعف ويمتدح الأقوى (القطاع العام) لئلا يُغضب الأخير.

فعلى سبيل المثال يصبح المحلل تابعا لمدرسة الاقتصاد الكلاسيكي حين يتحدث عن المال العام، وحينما يكون الحوار حول اضطهاد وظلم وقع على القطاع الخاص فيقول "دعوهم يعملون ولا تساعدوهم لأننا نتبع سياسات اقتصاد السوق".

ثم يصبح المحلل ذاته تابعا لمدرسة كينز الاقتصادية حين يتناسى أن الحكومة تستهلك أكثر من نصف الناتج المحلي وتوظف نصف العمالة فيه ما يجعلنا سوق اقتصاد اجتماعي (أي كينزي متطرف) مثلنا في ذلك مثل النمسا والنرويج وألمانيا من دون ان نحقق ما يجنيه أهل هذه الدول من منافع وخدمات من حكوماتهم، ويصبح بذلك هذا المحلل تابعا للمدرسة الاقتصادية الكينزية الداعية الى تدخل الحكومة.

ثم يقفز المحلل ذاته ويقول دعوا البنوك وحدها ولا تنتقدوا السياسة النقدية وأبقوا على استقلال البنك المركزي لأن دوره يجب أن ينحصر فقط في معالجة التضخم، وهنا يصبح المحلل تابعا لمدرسة فريدمان النقدية.

ثم ينتقل محللنا ويقول خففوا الضرائب عن الأغنياء لندعم الاقتصاد، ولتذروا الفقراء للأعاصير (يقولها بشكل غير مباشر طبعا) فيصبح تلميذا لمدرسة جانب العرض.

الغريب أن المحلل يفعل كل ذلك من دون أن يعلم أن هذه المدارس الاربع لا تتفق تماما، وكل واحدة تتبع محاذير معينة وفرضيات لا يعلمها الكاتب أو ربما يتجاهلها، وبهذا يصبح اقتصادنا عبدا مأمورا لآراء اقتصادي غير مدرك لمدى جهله، يقول للحكومة دوما "نعم سيدتي الحكومة".

ففي الأردن؛ يجب أن لا ننتقد سياسات وزير لكي لا يشخصن الأمور ويصبح عدوا لنا، وقد يتخذ قرارات تضر بالكاتب ومصالحه، فيفقد الأخير واسطته (وهي من مظاهر الفساد المتجذرة في الأردن كما أشارت قيادتنا في العديد من كتب التكليف).  وفي مجتمع "نعم سيدتي الحكومة" لا يوجد توثيق أو محاسبة لتراكم الأخطاء، فكما هو ملاحظ، نولد كاقتصاد ومجتمع من جديد مع كل تغيير حكومي.

 في اقتصاد وليد اليوم يشكو من فقدان الذاكرة،  ينسى البعض أن من واجبنا الالتزام بعهودنا المقطوعة برعاية استثمارات المستثمرين الأردنيين والأجانب الذين أحضروا اموالهم للأردن قبل سنين ليوظفوا أبناءنا وبناتنا داخل الأردن بدلا من المتاجرة بشبابنا كصادرات بشرية الى دول الخليج ليكونوا مصدر العملة الصعبة الأول، وأكبر صادراتنا التي ترفد الاقتصاد المحلي بخمس العملة الصعبة.

الطريق إلى القمة الشخصية (والهاوية الأخلاقية التي نعيشها منذ سنين) هو أن نوافق القوي (القطاع العام) دائما، وأن لا ننتقده أبدا، ونربّت على كتفيه ونقبل يديه أو ما نستطيع ان نصله من هالته الافتراضية؛ وأن نلعن الضعيف (القطاع الخاص)، ونركله في بطنه الخاوي (بطالة وفقر مزمنان)، أو رأسه المتصدع من تخبط السياسات (تراجع سوقي العقار والاسهم ومعدلات نمو منخفضة)، أو آماله المندثرة من جراء تناسي الحكومات للوعود، ونكثها بين ليلة وضحاها (انظر سرعة تغيير القوانين وسياسات الفزعات)، وتقاعسه أو تردده في العمل والأداء، أو ادعائه باللا مسؤولية (السياسة النقدية مثلا).

نجاح مقولة "نعم سيدتي الحكومة" والتملق لها أدى الى موازنات حكومات اشتراكية في بلد رأسمالي، وعجز متفاقم، وتراجع في معدلات النمو، وفقر وبطالة مزمنين، وتبعية الاقتصاد المستمرة لمتغيرات سوق النفط.

 متى سنزدري "نعم سيدتي الحكومة"، ونكافئ من يقول: "لا تفعلي هذا سيدتي الحكومة، وهاك ما اعتمد عليه من بيانات وأسباب موضوعية"، لنبدأ مسيرة عهد الإصلاح الحقيقي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »never (زهرة المدائن)

    الأحد 24 كانون الثاني / يناير 2010.
    متى سنزدري "نعم سيدتي الحكومة"، ونكافئ من يقول: "لا تفعلي هذا سيدتي الحكومة، وهاك ما اعتمد عليه من بيانات وأسباب موضوعية"، لنبدأ مسيرة عهد الإصلاح الحقيقي.

    سؤال صريح وفي الصميم .. لكن الاجابة عليه وبكل تشاؤم سوف تكون never سيدي الكاتب

    شكرا لقلمك الصادق
  • »شكرا (عماد خورما)

    الأحد 24 كانون الثاني / يناير 2010.
    شكرا د. يوسف, لقد مر الاردن عام 1988 بنفس التخبط و قاد بعض المحللين حملة الدفاع عن الحكومه الى ان جاء شهر تشرين الاول و فجعنا بان اقتصادنا مهزوز وان الحكومه اقترضت دون حسيب او رقيب فماذا كانت النتيجه ؟؟؟ النتيجه بسيطه تآكلت مدخرات الناس بالدينار الاردني و احتجنا الى عشرة سنوات لتعود قدرة الموظف الشرائية الى نفس النقطه في بداية شهر 10 1988 ارجو من الله ان يعفينا من تكرار 1988 , لان الظروف المعيشية للمواطن العادي (الموظف) لاتحتمل اية هزة.
    شكرا مرة اخرى على صراحتك المعهودة التي بنيت على حب الاردن.
  • »أبدعت يا دكتور (خالد السلايمة)

    الأحد 24 كانون الثاني / يناير 2010.
    أسعد الله صباحك الجميل أحي الكاتب,

    و مع عدم معرفتي بكل المدارس الإقتصادية التي تحدثت عنها لأنها ليست من تخصصي إلا أنك قد وضحتها بشكل جميل و رائع. و حقيقة مقالك أكثر من رائع كالعادة حيث تتحفنا بتحليلات رائعة و قوية و حقيقة أنك "تشخص" العلة عندنا في البلد. العلة أن الذي يعطي رأيه في كثير من الأحيان هو جاهل في الأمر و اصحاب المعرفة مهمشون تمامآ و لعدة أسباب. و المشكلة ان الجاهل غير أنه يعطينا رأيآ خاطئآ و تحليلآ ضعيفآ بل له القدرة على إيهام صاحب القرار أن تحليله صحيح! و ذلك إما لأنه قريب صاحب القرار أو لأنه عزمه على المزرعة أو لأنه في مصلحة مشتركة!!

    كالعادة يا دكتور تضرب على أوتار إقتصادية حساسة جدآ في البلد.

    ملاحظة: كلامك عن أن القطاع الخاص في البلد يتركوه بلا دعم صحيح 100% و لا بل يعادوه في أغلب الأحيان.
  • »سياسة استغفال الناس (زياد الباشا)

    الأحد 24 كانون الثاني / يناير 2010.
    مر رجل بمجنون ممزق الثياب رث الهيئة, فعطف عليه واخذه لينظفه ثم أطعمه وبعدها أخذه إلى السوق ليشتري له قطعة من القماش وبعد ان اختار من القماش ما يريد دخل على الخياط الذي في السوق والح عليه بلغة التوسل بان يخيطها للمجنون في الحال. فاستجاب الخياط للإلحاح فلما شرع الخياط يقص القماش قطعاً بمقصه كما يقتضيه تفصيل الثياب, ذعر المجنون حينها وانقض على الخياط يضربه كيفما اتفق وحين أوقفه الرجل المحسن مستفسراً منه قال له: تقولون إني مجنون لأني مزقت ثيابي وهذا الخياط مجنون أيضا أما تراه يمزق القماش الجديد؟! وما يثير الجنون أن بعض كتاب الأعمدة اليومية يقولون زار الأردن وفد من صندوق النقد الدولي; وقدم هذا الوفد تقريرا يبدو وكأنه إيجابي نسبة للكوارث التي تحدث في أنحاء متفرقة من العالم. لكن التقرير خلا وللأسف من أي مراجعة جدية للسياسة النقدية في الأردن وذلك كون الفريق قد اطمأن على عدم حدوث انهيار في المصارف المرخصة وأن الأردن كما هو معلوم قد تأثر بصورة محدودة من الأزمة العالمية.

    ولكن هل تنتهى الحكاية هنا? هذا ما يبدو من القائمين على السياسة النقدية حيث أنهم قد أعلنوا بأكثر من مناسبة بأن "الجهاز المصرفي الأردني" سليم ومعافى. وهذا إنجاز لا يستهان به ويستحق القائمون على البنك المركزي والبنوك المرخصة التهنئة على ذلك والاعتراف بهذا الإنجاز. لكن الحكاية هذه حدثت في أكثر دول العالم وبالتالي فان الإنجاز الأردني ليس فريدا!.وعلينا تجاوزه لطفا.

    اذا القصة الآن تراجع اقتصادي وتباطؤ وانكماش وربما ركود ولا سمح الله كساد. فماذا أعددنا كأردن لكل ذلك?