د.باسم الطويسي

الأردن وخيارات الاتحاد من أجل المتوسط

تم نشره في الجمعة 15 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 صباحاً


تبدو اللحظة مواتية، وبمناسبة اختيار الأردني أحمد مساعدة أمينا للتنظيم الدولي الجديد (الاتحاد من أجل المتوسط) لمراجعة بعض العناوين في الخيارات الأوروبية تجاه العرب والخيارات العربية في المقابل، وموقع الأردن بينهما، وهو يحتل اليوم هذا الدور بشخص الأمين الأول للاتحاد.

ورغم ضعف الرهانات على هذا الاتحاد وما نال المشروع من تناقضات، فإن هذه اللحظة التاريخية هي أقرب اللحظات المواتية لتقارب مفارق لعهود من القطيعة بين ضفتي المتوسط، وبالتحديد بين العرب والأوروبيين.

هذه اللحظة الفارقة، ربما لم تتوفر منذ أكثر من ثمانية قرون بوجود الاتحاد ومن دونه، ما يعني ان خيارات الدبلوماسية الأردنية في بناء أجندة للسياسية الخارجية بما تحمله من قيم مرشحة لمهام نوعية جديدة، ويبدو أمامها المزيد من الفرص لإعادة تدوير الدور الأردني نحو صيغ جديدة غير متاحة للكثيرين من حولنا إذا ما أحسن استثمارها.

إلى هذه اللحظة، الأوروبيون على مستوى النخب الفكرية والنخب السياسية الجادة هم الأكثر إدراكا لعمليات التحليل التاريخي والولادات المنتظرة، ويمارَس هذا الإدراك في دائرة واسعة من أنشطة المراقبة وطرح البدائل والمبادرات وبناء الفهم الجديد، الأمر الذي يطرح السؤال التالي: هل يمكن قراءة جيل ساركوزي ومحرري تقرير ابن سينا من زاوية أخرى؟ وكيف يمكن قراءة مواقف المستشارة الألمانية الرافضة لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي والداعية في الوقت نفسه للبحث عن بدائل جديدة للعلاقات الأوروبية مع الشرق الأوسط؟

ينطلق تقرير (ابن سينا) الذي طرح فكرة (الاتحاد من أجل المتوسط) والذي يعده ساركوزي وثيقة مرجعية لسياسات فرنسا الخارجية ضمن الهدف الثاني المرتبط بالعالم العربي والشرق الأوسط من التخوف من انفجار المنطقة العربية من جهة، ومن الفرص التي تتيحها علاقات التعاون والاعتماد المتبادل للطرفين.

يطرح التقرير أربعة سيناريوهات محتملة هي؛ السلم الأميركي؛ أي الاستقرار على الطريقة الأميركية، والنظام الإسلامي أي سيطرة المتطرفين الإسلاميين، والتدهور البطيء التدريجي نظراً لهشاشة التوازنات القائمة، ثم سيناريو الاتحاد المتوسطي. ويعترف التقرير بأن القضية الفلسطينية، هي قلب مشاكل الشرق الأوسط ومركزه، ومع أن التقرير يدعم مساندة إسرائيل وضمان أمنها بشكل مطلق، فهو يؤكد على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على اعتبار أن استمرار هذا الاحتلال هو مصدر عدم الاستقرار.

بينما تذهب إحدى وجهات النظر إلى القول بأن ماكينة الدعاية الأميركية منذ سنوات تعمل بوقود وسائل الإعلام والأكاديميين وجامعاتهم ومراكز البحوث وجماعات الضغط على محورين في هذا السياق: أولهما، تخويف أوروبا وإرهابها بالخطر الإسلامي الديمغرافي والإرهاب.

سيناريو التخويف الدائم لأوروبا يمضي بالتوازي مع السيناريو الآخر وهو الاستفزاز ومنع بناء أي ثقة عربية بالأوروبيين، والعمل على تعميق المزيد من فجوة الثقة، وتحديداً على المستويات الثقافية والشعبية، وهكذا يمكن قراءة بعض التصرفات والسلوكيات التي تم تضخيمها، مثل قصة الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية الشهيرة ومواقف الفاتيكان وغيرهما.

هناك اعتقاد سائد مفاده أن الأوروبيين لا يرغبون بتطوير سياسة أوروبية موحدة في الشرق الأوسط، نظراً لطبيعة المصالح الراهنة للدول الأوروبية وتناقضها أحيانا. وهذه النظرة سادت طوال فترة الحرب الباردة لكن باتت ترهقها الأحداث، فمصادر التهديد تفرض اليوم أكثر من أي وقت سابق وجود ولو الحد الأدنى من السياسات المشتركة التي أخذت تتبلور ليس فقط في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة، بل إنّ هناك إدراكا متزايدا لفهم قيمة الجوار الجغرافي الحضارية والثقافية.

وبحسب تقييم نعيم خضور، أحد المختصين بالحوار- العربي الأوروبي، كان هناك ثلاثة مواعيد ضائعة بين أوروبا والعرب، الأول كان الوعد الأوروبي لمحمد علي بالدعم ضد الإمبراطورية العثمانية عام 1831، ثم التقويض الممنهج لهذا المشروع. والموعد الثاني تمثل في وعد الإنجليز للشريف حسين بن علي بدولة عربية مستقلة مقابل الثورة العربية الكبرى على الأتراك وانتهى الأمر بالخذلان. والموعد الثالث كان الدعم الأوروبي لفكرة وطن قومي لليهود في فلسطين.

الموعد الرابع يتبلور في هذه المرحلة ويحمل الكثير من التناقضات والتحديات والحساسيات المفرطة، ويعتمد على قدرة كل طرف على قراءة التحولات الراهنة وفهمها؛ في وسط هذا المعترك تقف دولة صغيرة مثل الأردن تملك قوة سياسية معنوية كبيرة وأمامها فرصة نادرة لممارسة رياضة سياسية مفيدة.

التعليق