المؤسسية الأردنية: ديوان المحاسبة أنموذجا

تم نشره في الخميس 14 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 صباحاً


يمثل ديوان المحاسبة أنموذجا مؤسسيا أردنيا لا بد أن يعتبر قدوة لمؤسسات الدولة الأردنية كافة وجهازها البيروقراطي عامة، ليس فقط لأنه استطاع أن يكتسب ثقة واحترام المسؤولين الأردنيين والرأي العام على حد سواء، بل لأنه يمثل روح الشخصية الوطنية للدولة الأردنية التي طالما فاخرت بنزاهتها واستقامتها.

زيارة الرئيس الرفاعي لهذه المؤسسة الغراء كان لها كل الوقع الإيجابي على الرأي العام، وقد عنت هذه الزيارة من ضمن ما عنت أن هذه الحكومة تدرك الأهمية المؤسسية والدستورية لديوان المحاسبة، وتدرك أهمية دور هذه المؤسسة في هذه المرحلة من التعقيد التنظيمي الذي يرافق عملية الإصلاح الاقتصادي والإداري في الأردن وما يرافقه من احتمالات انتشار الفساد. 

المشاكل التي تواجه ديوان المحاسبة ترتبط أساسا بمرجعياته الإدارية والفنية. وربما آن الأوان لإعطاء الديوان مزيدا من الاستقلالية الإدارية والمالية عملا بنماذج مؤسسات الرقابة في دول العالم المتقدم، ما سيساهم حتما في تسريع وتيرة العمل وتجفيف منابع الفساد.

ديوان المحاسبة يرتبط الآن من الناحية الفنية الرقابية بمجلس النواب ومن الناحية الإدارية برئيس الوزراء الذي يحدد موازنته وإمكانية إقالة رئيسه.

في معظم دول العالم يقوم رئيس الوزراء أو السلطة التنفيذية بتعيين رئيس جهاز الرقابة المالية والإدارية الاكبر، لكن هذا التعيين يكون لفترة زمنية محددة قانونيا لا يستطيع أحد قبل انقضائها عزل مسؤول المؤسسة الرقابية. هذا من شأنه إعطاء استقلالية ومصداقية واستدامة لتقدم وتطور عمل ديوان المحاسبة ويجرده من ضغوطات حكومية لا نعرف ماذا سيكون شكلها بعد سنوات من الآن.

أكثر ما يثير اهتمام وإعجاب المراقبين فيما يختص بديوان المحاسبة وطبيعة عمله الحساسة، هو درجة الدقة والعمل بصمت في هذه المؤسسة التي كان يمكن أن تكون مؤسسة ترهب صانع القرار الأردني أو ساعية لكسب شعبية زائفة لو أنها تبنت الاستعراضية والتشهيرية في العمل.

هدف هذه المؤسسة كان دوما الحفاظ على المال العام والتأكد من دقة وأحقية صرفه، وحتى في حال وجود خلل هنا او هناك، كان التوجه ينصب على معالجة المشكلة لا نشرها والتشهير بها. حتى عندما كنا نتضايق في لحظات من "حرفية" او "حنبلية" ديوان المحاسبة، فإننا ما نزال نقدر خوف مندوبي هذه المؤسسة علينا وتأكيدهم أن نقوم باتخاذ القرار الصائب ماليا وإداريا، حتى أن منّا من بدأ يستمزج ديوان المحاسبة قبل البدء حتى بأي إجراء أو مشروع إداري أو مالي.

نتطلع لليوم الذي ستسود فيه القيم السائدة في هذه المؤسسة لتصبح ديدن مؤسساتنا كافة التي في معظمها ليست بالبعيدة عن ذلك. كما ونتطلع لليوم الذي ستوسَع فيه صلاحيات ديوان الحاسبة وتعطى مزيدا من الرقابة على شأننا الاقتصادي، وليس فقط على الشركات التي تساهم بها الحكومة والتي باتت الهادر الأكبر لمواردنا ولو من زاوية التهرب الضريبي فقط والاحتيال على الأنظمة والإعفاءات.


هل تنجح تركيا فيما فشلنا فيه خلال نصف قرن ونيف ؟

محمد الأرناؤوط


في يوم الجمعة الماضي 8/1/2010 كان هناك حدث في المنطقة حظي بتغطية خاصة من قناة "الجزيرة" هو إعادة تشغيل الخط الحديدي الذي يصل بين حلب السورية وغازي عنتاب التركية. وقد انطلق القطار بحماسة بعد توقف دام عشرين سنة واستقبل بحماسة رسمية وشعبية قيل فيها الكثير من الكلام المتعارف عليه في  مثل هذه الحالات. ولكن مدير السكك التركية انفرد بأمر دغدغ المشاعر وأثار الشجون حين قال إن تركيا تأمل الآن بإعادة تفعيل سكة الحجاز لنقل الركاب والبضائع ما بين استنبول والمدينة المنورة.

ويبدو في هذه الأيام التي يمكن أن نسميها "أيام تركيا" في المنطقة أن كل تصريح وكل موقف تركي يضرب على الوتر الحساس لدينا ويزيد أكثر وأكثر من شعبية تركيا وقيادتها حتى صار علينا أن نؤمّن تأييد ودعم تركيا لاي مشروع ناجح نحتاج اليه.

وكانت سكة الحجاز قد بدئ العمل بها في 1900 من دمشق فيما بدا آنذاك مشروع القرن الجديد وأمل العالم الاسلامي نظرا إلى التكاليف الكبيرة والمصاعب الكثيرة المتوقعة في البيئة الجغرافية التي تمر فيها السكة على امتداد 1300 كم. ومع وصول أول قطار إلى المدينة المنورة في أيلول 1908 كان العالم العربي الإسلامي قد دخل في القرن العشرين بالفعل لأن العربي كان يحتاج الى شهر مع المعاناة الكبيرة ليصل من دمشق الى المدينة المنورة بينما أصبح يصل الان بالراحة بعد 3 أيام، أما المسلم البوسنوي فكان يحتاج لذلك إلى 3 شهور في الذهاب ومثلها في الاياب اذا بقي على قيد الحياة.

وقد أدت السكة في المنطقة التي امتدت فيها الى نتائج اقتصادية واجتماعية وعمرانية مهمة، حيث شجعت السكان على التحرك الآمن وانتقال البضائع والاستقرار حول المحطات التي بنيت على طول الطريق. ويكفي أن نشير هنا بالذات إلى "محطة عمان" وما كان لهذه المحطة من تأثير كبير في تطور عمان بسرعة من قرية إلى بلدة تصلح لأن تكون لاحقا عاصمة للإمارة الأردنية في 1921. ومن هنا فقد كان من حق السكة علينا كمؤرخين أن نهتم أكثر بالمئوية في 2008، التي كان يمكن استثمارها أكثر لغرض الحلم القديم المتجدد بإعادة تشغيلها.

ويبدو الان مع هذه الحماسة التركية أننا نقترب من مئوية أخرى نأمل أن تثمر هذه المرة. فقد اشتغلت السكة بعد كل الأموال والأعمال الضخمة التي بذلت لأجلها ست سنوات فقط لتأتي الحرب العالمية الاولى 1914-1918 لتنال منها وتوقفها إثر الأضرار التي تعرضت لها. وقد بقيت السكة معطلة عدة سنوات بسبب الأوضاع السياسية الجديدة التي برزت في المنطقة التي  تمتد فيها السكة (سقوط المملكة الحجازية الهاشمية ونشوء المملكة العربية السعودية وتكريس الانتداب البريطاني على الاردن والانتداب الفرنسي على سورية).

ولكن مع استقلال الاردن في 1946 والجلاء الفرنسي عن سورية في السنة ذاتها دبت روح جديدة في المنطقة وظهرت دعوة شعبية ورسمية لإعادة تشغيل السكة بعد الخلاص من المستعمر الذي كان يعتقد أنه السبب في تعطيل السكة. وهكذا فقد عقد أول اجتماع في دمشق بتاريخ 18 نيسان 1947 بمشاركة دولة سمير الرفاعي حيث اتفقت الدول الثلاث (الاردن والسعودية وسورية) على مبدأ "وحدة الخط الحديدي" وإصلاحه وتشغيله وتشكيل لجنة فنية لـ "عمل دراسة فنية لتكاليف إصلاح الخط وتقرير التكاليف اللازمة لعرضها على الحكومات لتدارك الأموال اللازمة لتنفيذ المشروع". ولكن ما لدينا بعد ذلك هو مئات الاجتماعات والتوصيات والقرارات على مدار نصف قرن ونيف التي بقيت حبرا على ورق بسبب ارتباطها بالأوضاع التي  كانت تمر بها المنطقة.

فهل ينجح الأتراك الان فيما فشلنا فيه لتتحول مئوية تعطيل السكة إلى مناسبة لتشغيلها ثانية؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما الفائدة؟ (ابو خالد)

    الخميس 14 كانون الثاني / يناير 2010.
    مع كامل الاحترام لهذا الديوان وعمله الا انه وللاسف غير فاعل وغير مؤثر لا بل انه احيانا يساعد دون ان يدري بالتجاوز على المال العام.انا موظف حكومي وارى بأم عيني التجاوز على المال العام من قبل كبار الموظفين ولكن لا احد يحرك ساكنا,موظف الديوان المنتدب لدى المؤسسات الحكومية يكتب بالتجاوز وتتراكم التجاوزات لتصبح تقريرا ضخما يرفع لمجلس النواب ولا يقرأه احد لأننا نعرف تذبذبات النواب وكيف يأخذوا بالحسبان قواعدهم الانتخابية.
    لا يصبح ديوان المحاسبة فاعلا ,لا هو ولا غيره من الجهات الرقابية الا اذا اخذ صفة الضابطة العدلية,فكبار موظفينا يعتبروا المنصب العام مصدرا للتكسب قبل اي شيء اخر ولا ينفع معهم الا العين الحمرا وكفانا حكي بدون فعل؟!