هاني البدري

غزة من دون أطراف

تم نشره في الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 صباحاً

 


ها نحن ندخل مجددا في لعبة غينيس ودغدغة الأرقام التي نهواها، فبعد موجة التسابق المحموم بين الشعوب العربية للفوز بلقب اكبر.. او أطول.. او اعرض، سعياً لمكان نحشر أنفسنا فيه بين أصحاب الإنجازات والإبداعات والبطولات في موسوعة غينيس.. هاهي غزة تدخل رغماً عن انشغالاتها وضيق وقتها وأرضها وخُلقها وفضاءها.. تدخل الى قائمة الأرقام القياسية المذهلة، بل تتسيدها.

لم تشأ غزة ان تدخل حلبة التنافس في لعبة غينيس من باب الأطول او الاعرض كما العرب الآخرون.. بل دخلتها مرغمة، على كراسي متحركة توقفت منذ أول حصار كان.

في غزة، سبعون ألف معاق، وبزيادة مطردة تضع القطاع على قمة القائمة محققة النسبة الاعلى في العالم، بعد ان أسهمت الحرب الإسرائيلية الأخيرة وتوابعها والزيارات الدورية التي تحرص الطائرات الإسرائيلية على ادامتها لاجواء غزة، أسهمت في رفع أرقامها بين فئات المجتمع الغزي برمته، وان لسجل الأطفال سبقاً خاصاً في هذا المجال ايضاً.

واذا كانت الحرب الإسرائيلية الأخيرة قد اضافت لمعاقي غزة سبعمائة آخرين جراء بتر الأطراف واصابات العيون، فيما يتواصل الحصار "متعدد السمات والجهات" فقد ذكرت تقارير دولية موثقة ان نِسَب ارتفاع معدلات الإصابة بفقر الدم بين الأطفال الى أكثر من خمسين بالمائة يشكل تهديداً جديداً واعاقة اخرى في القطاع.. فقر الدم هذا طبعاً يعني الحليب والبيض واللحوم والخضار والحبوب.. تلك المواد المحرّمة سياسياً على الطاولات "الغزاوية" المصابة بفقر الدم واللحم والعظم هي الاخرى.

اللافت هنا ان كل ما يرشح من غزة عبر الإعلام المحلي والعالمي لا يُعير آلاف المعاقين من ابناء غزة بالاً، رغم ان هذه الفئة التي لم يلتفت لها سوى حفنة من الأوروبيين (الغاضبين)، هي الأكثر تضرراً من حروب إسرائيل وحصار البر والبحر والجو.. بل هم الأكبر مصيبة لانها تلازمهم لاخر العمر.

نعود الى اولئك الأوروبيين الغاضبين، الذين كعادتهم ينظرون الى الاشياء بعكسنا نحن العرب، هل تذكرون جميلة الهباش؟! التي استفاقت على نفسها في احد مستشفيات غزة بعد غارة إسرائيلية عليها، دون اطراف، هؤلاء الأوروبيون يرونها اهم من كل معادلات السياسة والمصالح والتدخلات والحدود والزعامات.. نحن لا.. ترانا ننّفذ الشرعية الدولية والاقليمية بحذافيرها.. ونحترم أنفسنا امام غضبة إسرائيل غير المحمودة.. نعلن ان الدجاجة قبل البيضة.. وان علينا ان نحاصر حماس باخطائها وخطاياها اولاً.. ثم نلتفت لجميلة واخواتها.. الذين يدفعون هم وحدهم فاتورة الحصار والتجويع والحبس الاضطراري.. تاركين للزعامات والقيادات والرؤوس حرية الحركة او شرعية التفاوض بالنيابة عن أصوات جفت حلوقها من الجفاف..

اقول هذا وانا اسأل، مال السويد الباردة والبعيدة جداً.. وإطلاق مشروع لصناعة آلاف الأطراف الصناعية خصيصاً لمواجهة ظاهرة الإعاقات الحركية بسبب عمليات بتر الأطراف لابناء غزة.. اقصد مالهم والقصة كلها فيما أصحاب القصة لا يأبهون اصلاً بالأطراف..؟! وان صح السؤال.. لا يسألون اصلاً بالأرواح والأجساد والاحلام المبتورة ايضاً!!

واذا كان السويديون قد ثبتوا في وجه الغضبة "غير المحمودة" تلك، فان الإيطاليين اتهموا صراحة إسرائيل بتلويث وتسميم أراضي غزة جراء احداثها فجوات مشعة تهدد البشر والزراعة والحيوان.

باحثوا جامعة روما وجنوة قالوا ان إجراءات إسرائيل من شأنها التسبب في الأورام ومشاكل الخصوبة والتشوهات والأمراض الجينية، فيما تحدث نواب انجليز وصحف اسبانية وتركية عن حجم المأساه الطبية التي يعيشها الغزيّون.

اتعرفون ان عاماً انقضى على حرب إسرائيل..! تغير فيها العالم، رئيس جديد في أميركا وحكام جدد في إسرائيل، جوائز نوبل اخرى، معارك جديدة ومعاهدات سلام، عالم.. تغير فيه كل شيء الا نحن وغزة.. فما زلنا ننظر الى مأساة الناس هناك من ثقب التصريحات المسؤولة و"غير المسؤولة".. لا عبر صوت وصورة عشرات الآلاف من شباب وبنات غزة.. ممن يفترشون الأرض.. من دون أطراف.. تنتشلهم للحياة..

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سبقونا ونحن متأخرون (محمد الحنون)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    تلك هي غزة ........!

    هم أولئك أهل غزة...........!

    فنحن آكلين همومهم
    وهم يصارعون الموت للبقاء على أنقاضهم نفسهم حينا وحينا آخر على أنقاض أحبابهم أطرافهم كانو أم إخوانهم او آبائهم فلا تخلو غزة
    من طفل بريء مليء بصفات الرجولة البحتة .......
    من أم تضحي بفلذات أكبادها لكي تنعم فتاة غزيةبفرحة مسروقة بين ثنايا الحصار بطفلها الذي يصرخ كما يصرخ أقرانه ولكن بصرخة فرح لاستشهاد قريب .
    من شاب لا يصغي لتلك المعاناة التي يعيشها اب بلا دواء او اخ في مشفى او طرف فقده من سنين

    وكأنهم هم كلهم وفوقهم الحصار وعلى رأسهم غاصبون من أرض البغال يعجزون عن إجهاض تلك الإرادة القوية الصامدة بل والجبارة أحيانا عن كسر كل الحواجز التي تعيق وصوله لهدف كان له بعيدا ام قرب.

    فلهم انجازا ولنا فخرا بهم

    علينا البدء بما هم انتهو لأنهم كشفو اسرار حياة صارت دهليزا مجوفا من دخل فيه أصبح منقادا ومن خرج منه اصبح محررا فانتم خرجتم من كهفنا

    فهم


    سبقونا ونحن متأخرون
  • »مقال أكثر من رائع !!! (دينا الصلاحات)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    أستاذ هاني البدري المحترم
    اتصلت بي صديقتي من عمان ربى أبو دلو و أخبرتني عن مقالك الرائع فلما عدت للبيت و قرأته وجدته أكثر من رائع .. شكرا لاهتمامك بأبناء فلسطين و خصوصا غزة و شكرا لكلماتك التي تدخل القلوب بدون استئذان لأنني أشعر أنني التي تكتب هذه الكلمات ...
  • »رائع (عائشة الصديقي)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    كلمات تلامس الجرح.. بحاجة لبرنامج مبدع يوازي إبداع كلماتك
    يا استاذ هاني ,, و يحتاج منانحن الاعلاميين لإبداع شيء فريد يوازي احساسك ,, شكرنا لك ومحبتنا للغد وقلوبنا مع ابناء غزة الصامدين ,, الله ما اجمل ملامستك للجرح
  • »هولوكوست عربي (رشاد الصاحب)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    الاخ هاني تحيه طيبه ان مقالك اليوم يندرج ضمن سلسلةمقالاتك الرائعه والتي تكشف عن موهبه اعلاميه فذه فلقد عرفناك مذيعا متميزا والان كاتبا مبدعا وعوده للموضوع نقول ان الانسان بدون اطراف افضل بكثير من انسان بدون اخلاق وبدون ضمير فاذا كانت غزه دخلت موسوعة جينيس لافراد بدون اطراف فان الامه العربيه دخلت الموسوعه وبارقام قياسيه في فقدان الاخلاق والضمير اما اهل غزه واطفال غزه فالحمد لله برغم مآسيهم فان معنوياتهم تطاول عنان السماء وانظروا للطفله جميله الهباش والطفل لؤي الذي فقد بصره على مرأى من العالم الاعمى كيف يواجهون الحياه بهمه وعزيمه ولا حول ولا قوه الا بالله
  • »أين هي دماؤنا (حسين الطاهر)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    أستاذ هاني البدري أسعد الله صباحك بالخير و أعطاك على قدر نيتك لأنك تكتب و تذكر غبر قلمك الحر بأناس ( يسمونهم بمعوقين ) و ليسوا كذلك .. لا و الله !!
    لكنني أريد أقول ان الذنب يقع على العرب و المسلمين بالدرجة الأولى لأنه لا يمكن لأى عهد سياسى أو إتفاق إستراتيجى أو حتى مخاوف أمنية لا يمكن لكل هذا أن تمنع إنسان من إغاثة أخيه الإنسان وخصوصا إذا كان ضعيفا مثل ذوي الاحتياجات الخاصة..
    أناشد المسئولين فى مصر وفى كل العالم أنهم يعملوا على فتح المعابر أمام أهل غزة ، ما يحدث فى غزة وما نقرأ عنه هو عار على جبين الإنسانية ، ولتذهب إسرائيل إلى الجحيم وليذهب الكيان الصهيونى إلى الفناء ، وليعلم الصهاينة أننا نحن العرب أمام هذه البشاعة التى نقرأ عنها فى غزة لنا قلوب عليكم من حديد لا نخاف بل ويشتد عودنا وتغلى فى العروق دمائنا وسترون منا جحيم لا يمكن أن تتخيلوه والإرادة القادمة هى إرادة الشعوب والتاريخ شاهد على ذلك ... و شكرا لصاحب القلب الكبير مرة ثانية و ثالثة الأستاذ هاني البدري .. أدامك اللi
  • »سلمت غزة من كل مكروه (أم شهد الحلواني)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    أشكر جريدة الغد على متابعتها للموضوع و أشكر الكاتب هاني البدري على التفاتته الطيبة ..ونحن بدورنا ندعو الله العلى القدير ان يفرج كرب اهلنا فى غزه ويفتح لهم مااغلق من ابواب ويثبت اقدامهم ويربط على قلوبهم ويشفى جرحاهم ومرضاهم..صبرا ان بعد العسر يسرا ان بعد العسر يسرا..لقد ضاعت الكلمات من هول ما يحدث..عذرا غزة ادعى لنا الله ان يعود لنا رشدنا ولاحول ولاقوة الا بالله العلى القدير..سلمت غزة من كل مكروه.
  • »غزة معاقة حركيا !! (عربان ابن فرحان)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    غزة معاقة حركيا يا أستاذ هاني البدري و السبب العرب و سكوتهم عما يجري .. لسه ياما نشوف و نسمع .. الله يخليلنا الجدار الفولاذي .. و الله كان الو لزمة عشان يصد البرد في الشتا و الحر في الصيف .. حبيايبنا أهل مصر هذول ..
  • »أين العرب ؟؟؟؟ (هاني أبو صالحة)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    أي أطراف تتحدث عنها يا أستاذ هاني و اهل غزة يموتون من جراء الحصار الغاشم من الفقر و الحوع ؟؟؟ انا لا اقلل من اهمية المعاقين في فلسطين لا سمح الله و لكن الا ترى بنفسك كيف ان العرب و على رأسهم (الأم) مصر و هي تبني الجدار على حدودها لتزيد من نسبة الفقر و الجهل و الاعاقة ؟؟
  • »الاعاقة العربية (عيد جعفر)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    اسمح لي يا استاذ هاني البدري أن أقول لك أننا العرب الذين نعاني من الاعاقات السمعية و البصرية و الحسية لأننا نرى أهلنا في غزة هاشم يموتون بفعل الحصار و قبلها بفعل الحرب و لا نحرك ساكنا .. لكن لا حول و لا قوة الا بالله و حسبنا تلك المساحة الصغيرة التي نعبر بها عن بؤسنا .. شكرا غلى مقالتك القوية .. جعلها الله في ميزان حسناتك
  • »حناس هي السبب (رائد بحر)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    استاذ هاني ارجو ان تسال نفسمك من المسوول عن تخلف ابناء القطاع ؟؟ اليسو هم زمرة المتحكمين بالبشر و الحجر .. حسبي الله و نعم الوكيل
  • »مصابو غزة (أحمد عبدلله)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    شكرا للقلم العربي الأصيل هاني البدري لمتابعته أدق التفاصيل التي تغيب عن الطرح الاعلامي بسبب تزاحم الاهتمامات و تقاطعها.. نعم ان المصابين في الحروب التي شنت على غزة هم اليوم الذين نسميهم ذوي الاحتياجات الخاصة .. تلك الفئة لتي تتطلب منا الرعاية و المتابعة و الاهتمام لأنها كما قلت الفئة الأكثر تضررا خاصة أن مرور الزمن الكفيل بمحو الذكريات الأليمة لن ينجح مع الناس الذين مازالوا يحملون مذكراتهم بين أضلعهم !!
    نتمى على الجهات المعنية وهلى مؤسسات المجتمع أن تلتفت في نشاطها الى هؤلاء و توجيه قدر معقول من المعونات على شكل كراسي أو أطراف أو عمليات جراحية .. عل و عسى أن نلحق ببعض التشوهات التي تكلمت عنها و نساعدهم لأنهم الأحوج للمساعدة .
  • »نتيجة لا سبب .... (محمد البطاينة)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    الحاصل في غزة او العراق او السودان او اليمن او ما قد يحصل في اي مكان عربي مسلم هو نتيجة لا سبب ، هو نتيجة التخلف والجهل والفقر ، وهو نتيجة فساد الحكام وبيع الذمم ، هو نتيجة تردي النظام التعليمي والحياتي ، هو نتيجة الجبن والخوف الذي ورثناه من اسلافنا ونزرعه في ابنائنا ، هو نتيجة تهافتنا على تحقيق مصالح ضيقة في ظل غياب مشروع جامع ، نخوض في تفاصيل لا تقدم ولا تؤخر ونتباكي على حقوق الطفل والمرأة وكأن كرامة الرجال في بلادنا المستباحة هي المصونة ، نتبنى مبادرات لتحسين التعليم لكي تصورنا الصحف وننسى ان المعلم المنتي وصاحب الفكر هو الذي يوقد شعلة الابداع ويرعاها ، نتشدق بمحاربة الفقر والبطالة ونحن نعود شعوبنا على الصغار امام لقمة العيش ونشيج اطفالنا الجوعى والمرضى بسبب من فساد نظامنا الاقتصادي، نرسل بطانيات وخيام لغزة وننسى ان هناك عدوا قاتلا مجرما هو من يشرد ويقتل ويعربد فنغض الطرف عن ( الفتوة) ونلوم المرأة التى انتهك شرفها ، نصفق ونغني ونقيم مهرجانات للطرب والسلطنة وكأن المطلوب هو تغييب وعي الاجيال القادمة بهويتها وكينونتها لتصبح نهبا لكل طامع ومطية لكل راكب وعونا للظالم ويداً على المظلوم ، بكينا القدس ، وتباكينا على بيروت ، و احسسنا بالامتعاض عندما سقطت بغداد ولم يرف لنا جفن عندما ذبحت غزة ( بل برر بعضنا ذلك) ، واخشى ما اخشاه ان يأكل بعضنا لحم بعض في قابل الايام فمن لا شرف ولا كرامة ولا دين له لا يؤتمن على بيضة بله على اوطان ومقدرات ومستقبل امة ..... صرخة في واد اضيفها لصرخات من سبقوا لعل وعسى ان يستجيب الله لدعواتهم ..... وسلامتكم
  • »ليت العرب ينظرون؟ (حمد التلاوي)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    ليت العرب ينظرون باي منظار لمأساو غزه؟
    المهم انهم ينظرون..ببصيرة ؟
    ليتهم ينظرون بعين انسانيه..او قوميه..او احتماعيه...او سياسيه؟
    ان ما يجري لغزه عار سطره التاريخ بوجوه المتخاذلين؟ وبنفس الوقت نااار سيتلظى من حممها كل المتامرين؟
  • »غزة بدون أطراف ونحن بدون ضمير (haya)

    الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2010.
    عام مضى ولا يزال أهل غزة بلا مأوى وبلا أدنى متطلبات الحياة المقبولة بينما ننتظر منقذا" خيالا" قد يظهر من ظل اوباما او غيره لأن ظلالنا انعدمت بعدما أعدمنا النور في قلوبنا.
    عدت تذكرنا بتقصيرنا امام هذه الكارثة الاخلاقية التي شاهدناها وقابلناها بصمت مخز سيبقى يلاحق أجيالا" قادمة ليعيرهم بتخاذلنا. ربما هم من دون أطراف ولكن بلا شك تحيطهم هالات الكرامة التي فقدناها