أكراد العراق بين الصراعات الداخلية والانتخابات المقبلة

تم نشره في الأحد 27 كانون الأول / ديسمبر 2009. 02:00 صباحاً

 

خاضت القوى الكردية الرئيسية انتخابات مجلس النواب العراقي في العام 2005 ضمن قائمة موحدة حملت اسم "التحالف الكردستاني"، حيث اتحد الحزبان التاريخيان للأكراد وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني في قائمة موحدة ضمت الى جانبهما عددا من الاحزاب الكردية الصغيرة وبعض الاحزاب التي تمثل (جزئيا) جماعات عرقية ودينية اخرى كالتركمان والمسيحيين، وكانت نتيجة هذا الاتحاد حصول القائمة الكردستانية على عدد لا بأس به من مقاعد البرلمان الحالي ما مكن الاكراد من لعب دور مهم في رسم سياسية البلاد وليكون (مام جلال) اول رئيس كردي لجمهورية العراق، وهو الحدث التاريخي الذي احتفل به الاكراد طويلا في شوارع مدن اقليم كردستان العراق في اشارة الى انتهاء عقود من التمييز ضدهم من قبل عدد من الانظمة التي حكمت العراق وخاصة نظام البعث بقيادة الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وفي هذا العام جرت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية للاقليم، وبعكس التوقعات لم تكن هذه الانتخابات حدثا عاديا، فالنتيجة التي توقع البعض انها محسومة مقدما لصالح ائتلاف الحزبين الكبيرين جاءت على غير المتوقع، وذلك بعد ظهور قوة كردية جديدة تمكنت من اجتذاب عدد من اصوات الناخبين الاكراد، فقائمة "التغيير" التي اسسها نوشيروان مصطفى احد ابرز قيادات حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بعد انشقاقه عن الحزب حصدت ما نسبته 24% من مقاعد برلمان اقليم كردستان، وهو امر شكل مفاجأة من العيار الثقيل وخاصة لقيادات حزب الاتحاد، ففي لقاء لي مع احد قيادي الحزب  في السليمانية، قال لي انه لا يتوقع ان تحصل قائمة التغيير على اكثر من عشرة مقاعد بحد اقصى، وقد ظهرت ملامح الثقة على وجه ذلك المسؤول، ثقة ربما تعود الى الثقل التاريخي لحزب الاتحاد من جهة والى الثقل السياسي لقادته وعلى رأسهم جلال طالباني وكوسرت رسول وغيرهما من جهة اخرى.

بيد ان قراءة متأنية لتطور الوضع السياسي في الاقليم خلال السنوات الاخيرة، ستصل بنا الى معرفة الاسباب الحقيقية وراء الانجاز الذي حققته قائمة التغيير، فالناخب الكردي عاقب الحزبين الكبيرين على العديد من الظواهر السلبية التي انتشرت في الاقليم، وعلى رأس هذه الظواهر الفساد الذي استشرى بين العديد من المسؤولين الذين استفادوا من مواقعهم لتحقيق منافع شخصية ولم يقدموا ما يقنع المواطن الكردي حتى يصوت لهم، والامر الآخر الذي ساهم في تصويت الناخبين لقائمة التغيير يتمثل في ظهور بعض الممارسات السلطوية وغير الديمقراطية من بعض ممثلي الحزبين، وقد كان نوشيروان مصطفى على قدر عال من الذكاء عندما ركز في حملته الانتخابية على هذين العاملين، بل ان اسم القائمة "التغيير" جاء ليعبر عن البرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تحمله.

مكاسب قائمة التغيير تركزت في محافظة السليمانية والتي تشكل عادة المعقل الرئيس لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وهو ما يدل على ان اغلب الاصوات التي حصلت عليها القائمة جاءت من ناخبي حزب الاتحاد، كما لا يمكن ان نتجاهل ان نسبة لا بأس بها من الاصوات جاءت من ناخبين جدد وهم بالدرجة الاولى الناخبون الذين لا يصوتون عادة لاي من الحزبين، وكذلك وهو الاهم الناخبون الشباب. ومع ان قائمة التغيير تمكنت من الحصول على عدد من الاصوات التي تذهب تقليديا الى الحزب الديمقراطي الكردستاني وخاصة في محافظتي اربيل ودهوك، الا ان هذه الاصوات لم تشكل نسبة كبيرة او مؤثرة، وهذا امر طبيعي، فالحزب الديمقراطي الكردستاني يتمتع بولاء كبير من قبل ناخبيه وذلك لاستناده على قاعدة عشائرية قوية وكبيرة بقيادة عشيرة البرازاني، وهو الامر الذي يفتقده حزب الاتحاد والذي يستند الى قاعدة سياسية بشكل أكبر.

في كل الاحوال فانه لا يمكن اهمال اثر نتيجة انتخابات الاقليم على الانتخابات النيابية العامة التي ستجرى العام المقبل، وهذا الاثر لا ينحصر فقط في القوى الكردية بل يتجاوزها ويمتد الى باقي القوى في العراق، وخاصة عندما يتعلق الامر بتشكيل التحالفات قبل الانتخابات او بعدها.

لقد بذلت القوى الكردية وبالاخص الرئيس جلال الطالباني بحكم موقعه جهودا كبيرة حتى نجحت في تعديل قانون الانتخابات مستفيدة من موقف طارق الهاشمي عندما نقض القانون اول مرة، هذا التعديل اكسب الاكراد مقاعد اضافية بشكل مباشر واخرى بشكل غير مباشر، وهذا ما سيضمن تقريبا ان يحوز الاكراد على عدد مقاعد قريب مما حصلوا عليه في الانتخابات الماضية، ولكن هل يتمكن الاكراد فعلا من الاستفادة من هذا العدد من المقاعد كما فعلوا في المرة الماضية؟

ان الاجابة عن هذا السؤال ليست سهلة على الاطلاق، وهي مرتبطة بشكل وثيق بعاملين، الاول هو ما ستحققه قائمة التغيير من اصوات في الانتخابات المقبلة، والثاني طبيعة العلاقة بين قائمة التغيير من جهة والقائمة الكردستانية التي تضم حزبي الاتحاد والديمقراطي الكردساني من جهة اخرى، ومن الواضح ان العلاقة بين العاملين هي علاقة متبادلة ومباشرة، وبكلمات اخرى فان ما ستحصل عليه قائمة التغيير من مقاعد سيحدد مدى العلاقة بين الاطراف الكردية، فان تمكنت قائمة التغيير من تحقيق نسبة مساوية لما حققته في انتخابات الاقليم او اذا تمكنت من تجاوز هذه النسبة فانها ستكون قادرة على فرض شروطها على القائمة الكردستانية فيما يتعلق بالعمل المشترك داخل مجلس النواب.

المؤشرات التي ارسلها نوشيروان مصطفى تعطي الانطباع بأنه غير راغب في التنسيق مع الحزبين الكبيرين سواء قبل الانتخابات او بعدها، وهذا الامر إنْ استمر فانه سيفتح الباب امام القوى العراقية الاخرى لعقد صفقات مع هذا الطرف الكردي او ذاك، وبالتالي فاننا قد نرى تكتلات برلمانية من نوع جديد، وهذا يعني ان تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات سيكون امرا لا يخلو من التعقيد في ظل تعدد القوى التي ستصل الى البرلمان واحتمال تراجع الاستقطابات الطائفية والعرقية امام الصراعات الداخلية، فكما نعلم فان هناك صراعا بين القوى الشيعية ومثله بين القوى السنية اضافة الى الصراع الداخلي الكردي، كما ان الاحزاب والقوى العلمانية مرشحة للعب دور بارز في مرحلة ما بعد الانتخابات، هذه المعطيات ستؤدي بالتأكيد الى سيناريوهات معقدة عندما يتعلق الامر بالتحالفات داخل البرلمان.

وقد اكدت تصريحات الاطراف الكردية والتراشقات الاعلامية بينها ان التعاون والتنسيق لن يكون امرا متوقعا، وقد كان ذلك واضحا في تصريحات مصطفى لصحيفة الشرق الاوسط عندما اكد انه سيخوض الانتخابات في قائمة مستقلة، بل انه اتهم الاعلام الكردي بانه يقلد الاعلام البعثي، وهي تهمة تعني ان الامور بين القوى الكردية قد وصلت فعلا الى طريق مسدود.

وبالعودة الى وضع الاكراد الحالي، فان المؤشرات لا تدل على وجود فرصة كبيرة للقوى الكردية لتلعب الدور المؤثر نفسه الذي لعبته في السنوات الاربع الماضية، الا اذا حدث انقلاب في مزاج الناخبين الاكراد وفضلوا دعم قائمة التحالف الكردستاني ليضمنوا وجود ممثل كردي قوي في مجلس النواب وفضلوا ترك الامور الداخلية للاقليم محصورة في انتخاباته الخاصة، ما يحول قائمة التغيير الى حزب قوي على مستوى الاقليم فقط، خاصة وان نوشيروان مصطفى ابدى بعض المرونة في التعامل مع الحكومة المركزية في بعض القضايا محل الخلاف، وهو الامر الذي قد يجعل الناخب الكردي مترددا في شأن تفويض مصطفى للحديث باسم الاكراد على المستوى الوطني.

وعند الحديث عن الفرص فان التحالف الكردستاني ما يزال يعول على خبرته السياسية الكبيرة وعلى ثقله التاريخي وعلى الاحترام الكبير للعديد من رموزه لدى الاكراد، وقد بدأ التحالف بالفعل في العمل السياسي تحضيرا للانتخابات المقبلة من خلال الاختراقات التي قام بها في صفوف تيار المعارضة الآخر في برلمان اقليم كردستان أثناء محادثات تشكيل الحكومة، وهو السيناريو الذي من المتوقع أن يتكرر في انتخابات مجلس النواب العراقي، وبالفعل فقد تلعب هذه العوامل بالاضافة الى ما ذكرناه اعلاه على تحسين فرص التحالف الكردستاني في الحصول على أغلب اصوات الاكراد، والى ذلك الحين فان الخلافات الكردية الداخلية ستلقي بظل ثقيل على طبيعة تمثيل الاكراد داخل المجلس الجديد وعلى قدرتهم على المناورة السياسية بعد الانتخابات.

*كاتب أردني متخصص بالشأن العراقي

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حقوق الأكراد (محمد حسن)

    الأحد 27 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    اصبحت اسطوانة اضطهاد الأكرد معادة يكررها حنى من يدعي انه متخصص بالشأن العراق ! فالوقت الوحيد الذي نال الأكراد حقوقهم هوفي زمن البعث وليس قبله وليس هناك تمييز ضد الأكراد بل نالوا امتيازات كثيرة ولكنهم لم يرضوا بذلك فرفعوا السلاح مجددا وهدفهم غير المعلن هو اضطهاد العراق باكمله وتسخيره لصالحهم ريثما يحين ألأنفصال , وأنظروا ما يحدث الآن .