تحولات خطاب المقاومة من حديث الموت إلى الحياة.. "قراءة في رواية "رحيل" لجهاد الرجبي"

تم نشره في الجمعة 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

أنهيت مؤخرا قراءة رواية "رحيل" للروائية جهاد الرجبي، التي تدور أحداثها في مدينة "الخليل"، الفلسطينية وتمتد عبر مدى زمني من الحرب العالمية الأولى إلى الانتفاضة الأولى فالثانية.

صدرت الرواية عام 2002 أي بعد نحو 9 سنوات على صدور الرواية الأولى للرجبي "لن أموت سدى". وربما تكتسب قراءة الرواية الآن بعد هذه السنوات من صدورها أهمية خاصة، إذا ما قرأت في سياق تتبع تغير خطاب المقاومة الذي يّعبّر عنه بأشكل مختلفة في الخطاب السياسي، والأكاديمي، والأدبي. فكيفية نظرنا للمقاومة أمر مهم في تحديد المواقف السياسية والإنسانية.

استخدمت الرواية المزج بين فترة الانتفاضة الثانية وتداعي ذكريات بطلة الرواية "الحاجة رحيل". وتداعي الذكريات في الرواية يأتي بأسلوب مبتكر بديع؛ على شكل مشاهد مُلوَّنة تراها الحاجة على جدار غرفتها شبه الفارغة، والجدار صادق موضوعي لا يكذب التفاصيل.

هذه الذكريات هي قوت أيام "رحيل"، ولكن الجدار يصمت أحيانا فتعجز حتى عن ممارسة التذكر، وذلك بعد أن وصلت قبل سنوات من ذلك مرحلة العجز عن امتطاء صهوة جواد الخيال والتخيل. فرحيل التي تأخر سن زواجها، وتم تزويجها إلى شيخ مسن يدرّس القرآن ويرشد الناس لقتال الانجليز، خدعها بقوله إنّه أنجب 3 أبناء من زوجاته السابقات، ولكنهم ماتوا، فجعلها تنفق حياتها ومالها تشتري الوصفات والعلاجات، بل إنّها أصبحت داية تساعد النّساء على الإنجاب اعتقادًَا منها أنّ رحمها سيحن للأولاد عندما يرى الولادات. وسيعترف الشيخ على فراش الموت أنّه كذب وأنّه عاقر.

كانت رحيل حتى سنوات قليلة من ذكريات الجدار هذه تقوى على أن تتخيل رجل حقيقي تزف له وترعاه ويرعاها. تحبه حتى لو بالطريقة التقليدية، بخدمته ورعاية شؤونه وانتظار عوداته...ولكن حتى الخيالات نعجز عنها أحيانًا.

إذا ما قارنا الرواية براوية الرجبي الأولى "لن أموت سدى"، نجد نقلة نوعية هائلة، في الخطاب وحتى اللغة. واختفت إلى حد كبير الشعاراتية التي ميّزت الخطاب الإسلامي نهاية الثمانينيات  وبداية التسعينيات. فلم نعد نرى عبارات كالتي في "لن أموت سدى"، من نوع: "انطلقت السيارة تأكل العشب الذي أعطته دماء الثوار ألوان الربيع". وهي عبارات فيها قدر من المبالغة الرومانسية، التي لا تحتاج المقاومة بتضحياتها العظيمة بالفعل لمثلها.

في رواية "رحيل" قضيتان أساسيتان استوقفتاني كثيرًا لهما دلالات ثقافية وسياسية مهمة، تتضح إذا ما ناقشناهما وفي ذهننا رواية "لن أموت سدى". كما تتضح هذه الدلالات عندما نتذكر أن الرجبي تكتب في سياق إسلامي وإلى جمهور له نزعة إسلامية، فمثلا روايتها الأولى فازت بجائزة رابطة الأدب الإسلامي العالمية، عام 1993. وهي حتى في "رحيل" تسلّط الضوء على الجناح الإسلامي في المقاومة الفلسطينية في الانتفاضة الثانية.

القضية الأولى، التي استوقفتني، هي النفس النسوي الذي كُتِبَت رحيل به، (أي تبنيها الفمنزم – Feminism). فهي هنا تتحدث عن المرأة في إطار الحروب والمقاومة، وتروي معاناة المرأة كثيرا أثناء ذلك، رغم أنها تكون شريكة نضال كاملة، خصوصا بتحمل وزرها في المعاناة والتربية والعمل كأب وأم عندما يسجن أو يسشتهد أو يجرح الأب والزوج والأخ. إلا أنّها في كثير من الأحوال تُضطَهَد بشكل مزدوج، فالاحتلال يضطهد الرجال والنساء والرجال يقاومون الاحتلال ويضطهدون النساء. إذا تُضطَّهَد المرأة مرتين، أو كما تقول الرجبي:

"كان الفقر قيدًا، وكانت الطاعة العمياء قيدًا...كان الجهل في رؤوس الناس قيدًا، وكان الخوف من التغيير قيدًا، وكان الاحتلال قيدًا آخر! رحيل اكتشفت أن الاحتلال لم يقيّد أحرارا بل أناسا مقيّدين!"

وتقول أيضا، عن وضع رحيل بعد وفاة الرجال الذين حكموا حياتها:

"تتسرب الحريّة إليها بعد سنين الإذعان لإرادة من تحكّم في لحظات عمرها الحرجة..هاهم يغادرون الحلقة التي أحاطت بها طوال الوقت، يرحلون جميعا! ويتركونها وحدها، تستنشق الحرية التي انتظرتها طويلا! لكنها اكتشفت أنّ القيد أثقل من أن تحطّمه، وأنّ الذين احتلوا إرادتها أكثر من أن تنتظر موتهم...".

وتقول عن زوجها المناضل للحرية الذي خدعها:

"الشيخ عبدالرافع الذي أحدثكم عنه هو الذي علّم أخي محمدا القرآن، وهو الذي دفعه إلى الجهاد! وعندما تعلق الأمر بي صار رجلا آخر يهمه أن يعيش بسلام مع زوجة مخدوعة...كل الذين حكموا حياتي ظلموني! حملوا سكاكينهم، ووكلوا الشيخ عبد الرافع بالذبح!".

هذا الخطاب القريب جدّا من نمط الكتابات النسويّة العالمية يبدو مختلفا عن خطابها في رواية "لن أموت سدى"، ففي تلك الرواية ترديد لمقولات شائعة نظرية دون محاكمة فعلية للواقع، فنجد أكاديمية أمريكية تخاطب شابا فلسطينيا وتقول له: "أكثر ما يدهشني في دينكم أيها العرب، تلك النظرة الحانية للمرأة، حين يتحدث عنها أمّاً وزوجة، وابنة..". طبعا لا يعني هذا أنّ الرجبي غيّرت آرائها...ولكن تركيزها بات على الممارسة والواقع، مع اقتراب أقل من الشعارات البرّاقة.

القضية الثانية اللافتة، في "رحيل" هي مناقشتها لجدوى النضال ومعانيه، وللآراء المختلفة حول الانتفاضة وجدواها، وحول فكرة العمليات الاستشهادية. وبذلك تكون الرجبي التي صدرت راويتها كما أسلفنا عام 2002 قد ناقشت الفكرتين في مرحلة مبكرة نسبيّا. والتأييد واضح عندها للانتفاضة وكذلك هي أقرب للدفاع عن العمليات الاستشهادية. فرحيل تقول في الرواية مخاطبة عدد من الشباب الذين يعدون لعملية فدائية: "العمليات الاستشهادية تؤذي الصهاينة، ولكنها لا تدفعهم للرحيل!". ويدافع الشباب بقولهم "لا خيار أمامنا إلا المقاومة بكل ما نستطيع، هذه العمليات لا تحسب في حينها بل بتراكمها، إنها كسور عظيم، يبنيه المجاهدون لبنة، لبنة...".

في موضوع الانتفاضة نجد إحدى قريباتها التي ترعاها وتقدم لها العون، والتي يقبع زوجها في السجن، تقول ردا على دفاع "رحيل" عن الانتفاضة:

"أنت ليس لديك ما تفقدينه يا جدتي، لهذا تعجبك الانتفاضة!".

الحاجة رحيل ذاتها عندما يلجأ إليها ثلاثة من الشباب المجاهد، وتأنس بهم، وتكسر وحدتها القاتلة بوجودهم، تخاطبهم، وهم يناقشون بدء عمليتهم، قائلة" "لا لا ترحلوا!".

هذا الخطاب ليس تراجعا عن التضحية والاستعداد للفداء، ولكن نَفَس جديد يرفض ضمنيّا من أرادوا إشاعة أنّ الموت، حتى لو كان شهادة، سبب للفرح. وبنفس الوقت تريد أن يكون القتال موضوعيا ومدروساً.

الحاجة رحيل تحسم موقفها فهي عندما يُقسِم المجاهدون اللاجئون إليها أمامها، قَسَم التضحية تضع يدها فوق أيديهم. (وهي تستشهد بالفعل معهم في نهاية الرواية). وتبدو الرجبي كمن يقر أنّه عندما تتحرر المرأة من سجّانها القريب (رجال عائلتها) تصبح جزءا من معركة الحرية الكبرى بوجه الاحتلال، وتقول:

"الحاجة رحيل لم تفطن قط لمن يحكم بلادها، فعمّها وحده الذي كان يحكم حياتها، ومهما تكن حقيقة من يحكم البلاد، فحقيقة عمّها لا تتغيّر! عمها الذي لعن الانكليز وخاف منهم، هو عمها الذي لعن اليهود وخاف منهم، وهو عمها الذي لعنته وأخافها!".

تبدي الرجبي الأمل بأنّ الانتفاضة والجيل الجديد سيكونان عوامل تغيير. فتقول رحيل: "من حق هؤلاء الجنود (الإسرائيليين) أن يخافوا، فهؤلاء الصغار يحملون ملامح لم تظهر على وجوه الناس من قبل، ولكلماتهم جرس آخر..". ويتحدث أحد المجاهدين ضيوف الحاجة رحيل، عن أخته ياسمين: "لو رأيت أختي ياسمين لشعرت أنّها تنتمي إلى السماء، لا إلى هذي الأرض..صفاء وجهها قطرات ندى تبلل عينيك بحب...ياسمين تخلّت عن كل شيء لتقف إلى جانبنا، لتربّينا بعد أن توفي والدي...". ويقول: "عندما كبرنا أجبرناها على تذكّر نفسها بعد أن نسيتها وهي تغوص في طلباتنا التي لا تنتهي...كانت رائعة الجمال وهي تحمل فستانها الأبيض الذي استعارته من قريبة لنا، لتزف به...".

بهذا تكون الرجبي سجّلَت مساهمتين رئيستين مبكرتين في سياق نقاش سياسي وفكري دار في السنوات السابقة. أولهما موضوع مكانة ودور المرأة في سياق مجتمع المقاومة. والثاني مسألة العقلانية في نقاش أدوات ووسائل المقاومة.

بعض أفكار الرجبي الأخرى لا تبدو وأنها تجاري النقاش والجدل حول موضوعها. فمثلا هي تتبنى الرواية الشائعة عن ضعف المجتمع الإسرائيلي، فأحد الاستشهاديين ضيوف رحيل يقول إنّ الإسرائيليين "يخيفهم الموت! يربكهم المجاهدون حين يصنعون من أجسادهم السلاح...الإسرائيليون يحبون الحياة، ولا يين يربطهم بالسماء مثلنا!".

هذه الفكرة تحاجج أصوات الآن، أنّ الانتفاضة الثانية، أثبتت المبالغة بها، فالمجتمع الإسرائيلي لم ينسحب أو يتراجع بفعل العمليات الاستشهادية، بل اتجه نحو المزيد من اليمينية والقتل ونحو المزيد من التدين الصهيوني.

تبدو الرجبي كمن انضم لتيار "الفمنزم" العالمي الذي تمثله فلسطينيا كاتبات من أشهرهن سحر خليفة، التي ناقشت في رواياتها الفكرتين: مكانة ودور المرأة في سياق الثورة والاحتلال، وطبيعة أدوات المقاومة. ولكن الرجبي – القادمة من خلفية إسلامية - كما خليفة العلمانية اليسارية، تخلصان لنتيجة أنّ التناقض الرئيسي هو مع الاحتلال، وأنّ التناقض في سياق المجتمع بين الجنسين، يتحول ولو مؤقتا لتناقض ثانوي، أو أقل أولويّة. وفي هذا تقول الرجبي عن رحيل: "اكتشفت عندما مات سجانوها أن سجنها الحقيقي أوسع من صندوقها، وأكبر من مساحات الجدران التي تحيط بها...اكتشفت أن جلاديها هم أيضا يجلدون! وأنّ سجانيها هم معها سجناء!". ونجد رحيل تصر على الانضمام للمقاومين في معركتهم الأخيرة. وبهذا فإنّ الرجبي كما خليفة تحسم النقاش لصالح المقاومة. وهو موقف مختلف نسبيا عن ما يتبناه تيار عريض من كاتبات وكتّاب "الفمنزم" في العالم.

رواية "رحيل" عمل أدبي فكري رائع، له قيمة سياسية وتاريخية وطنية عالية جدا، أنصح بقراءتها. ولكني أتساءل هل كانت الرجبي ستعيد صياغة عنوان روايتها الأولى ليصبح "لن أعيش سدى" لو كانت تحمل ذات الأفكار والرؤى عند كتابتها؟. وهل ستزيد من جرعة المراجعات في الثانية لو كتبتها لاحقًا؟ أو الآن؟

[email protected]

التعليق