مسلسل العبث باللغة العربية

تم نشره في الجمعة 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

في أحد مقاهي مدينة عمّان، وعلى طاولة مجاورة، جذب انتباهي الحديث الدائر بين مجموعة من الرّوّاد الشّباب، فقد كان ذلك الحديث يجري بالإنجليزيّة، فيما يتخلّله بين الحين والآخر بعض الكلمات العربية! ألقيت بعض النّظرات الغريبة على (جيراني)، وقلتُ لهم: مرحبا، فقالوا لي: مرحبا، ثمّ أشاحوا بوجوههم عنّي، وواصلوا رطانتهم الغريبة.

لم يكن ذلك المشهد الذي حدث معي في المقهى، هو نهاية المطاف في مسلسل العبث الذي يطال لغتنا العربية، هذه اللغة العظيمة التي حفظت تاريخ هذه الأمّة من الاندثار، فثمّة مشاهد كثيرة هنا وهناك تصدم من يراها. إنّ من يتمشّى في بعض أحياء مدينة عمّان يعتقد للوهلة أنّه يتمشّى في مدينة أوروبية! فهو لا يكاد يرى أثراً للغة العربية، فأسماء معظم المحلات فيها مكتوبة باللغة الإنجليزية، هذا بالإضافة إلى الطابع الغربي للأزياء والمأكولات. أحياناً ولكثرة دعايات بعينها تغطّي واجهات المحلات، يعتقد الزائر أنّه ليس في مدينة وإنّما في سوق كبيرة لهذا المشروب أو لذلك الطّعام.

ليست عمّان وحدها هي التي تتسربل بهذه الملاءة الغريبة من الأسماء، فهناك مدن عربية كثيرة خلعت جلدها واندسّت في الهندام الأجنبي.

في الواقع، إنّنا إذا ما قلّبنا الأمر من زواياه المختلفة، سنرى هناك ما يشبه المؤامرة على اللغة العربية! إنّ ضرب أيّ أمّة وإيقاع الهزيمة بها، يكون أوّل ما يكون بتحطيم لغتها القومية. في المغرب العربي وتحديداً في الجزائر سعت فرنسا إلى قضم الأرض العربية والاستيلاء على مقدّراتها من خلال الفرنسة، والتي كان من أهم مظاهرها استبدال اللغة العربية باللغة الفرنسية. في فلسطين المحتلّة يحاول الصهاينة جاهدين القضاء على اللغة العربية من خلال الإغلاق المستمرّ للمدارس وإبعاد الطلبة عن الدّراسة، أو التّدخّل في المنهاج من أجل شرذمته وتخريبه. أحياناً يلجأون إلى ضخّ مجموعة كبيرة من المفردات العبرية بدل العربية، مثل: "رمزون، محسوم، بسيدر" للكلمات: "إشارة المرور، الحاجز، جيّد"، ومؤخّراً فقد قام الصهاينة باستبدال أسماء المدن والقرى والمواقع بأسماء عبرية بدلاً من أسمائها العربية التي ظلّت متداولة منذ آلاف السّنوات، وهذه العملية هي من باب تهويد الأرض العربية في فلسطين وطمس معالمها العربية بشكل نهائي.

الآن إنّ ما نشاهده في الأردن وفي البلاد العربية من انتشار للمدارس والجامعات الأجنبية، هو شكل من أشكال محاربة اللغة العربية ونفيها بعيداً عن أبنائها، خاصّةً وأنّ غالبية هذه المدارس والجامعات تقوم بازدراء اللغة العربية ويتناول الطّلبة المقرّرات فيها من خلال اللغات الأجنبية. لقد خلقت مثل هذه المدارس والجامعات ضعفاً شديداً في اللغة العربية لدى الطّلبة الذين يدرسون فيها. ما الفائدة التي ترتجى حين يكسب المرء لغة الآخرين ويفقد لغته القومية! ممّا يمكن الحديث عنه أيضاً في هذا المجال، هو عملية التّحوّل القائمة في بلدان كثيرة في العالم ومنها بلدان عربية، من النموذج الفرنسي أو الأسباني إلى النموذج الأمريكي، وما يتبع تلك الأمركة من استبدال للغة المستعمر القديم بلغة المستعمر الجديد وهي هنا (اللغة الإنجليزية). 

ليس خطاً أن يُلِم أبناء أي أمّة بلغات أخرى غير لغتهم القومية، كأن يكون لدينا نحن العرب معرفة بالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية. إنّ ذلك ليشكّل عنصر ثراء للأمّة، فالإلمام بمثل هذه اللغات الحيّة يمكّن هذه الأمّة من الاطّلاع على المعرفة والحضارة البشرية، والنّهل من نبع الإنسانية العظيم، لكنّ الشّرط الذي ينبغي توفّره وبقوّة قبل كلّ شيء هو الحفاظ على اللغة القومية وتطويرها.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المظهر الحضاري العربي (ابتسام خرما)

    الاثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    نحن مقدمين على انتخابات والكلام لا يكفي بلا تنظيم وتجمعات تطالب المرشحين ويتم الانتخاب بناء على تلبيتهم لهذه المطالب بالمطالبة ابتداء بالتعريف بقدراللغةالعربيةلغة القرءان الكريم والاهتمام بتدريس اللغة العربية وتعيين المعلم الكفؤ الذي يتقن اللغة الفصيحة واشاعة المظهر الحضاري العربي
  • »اللغة قوة (يوسف العواد)

    الأحد 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    المشكلة لا تكمن في اللغة العربية و لا في الشباب.ولكنها تكمن في المجتمع العربي الذي وظف اللغةالعربية في المديح و الهجاء و الرثاء والبكاء على الاطلال و الخطب الرنانة وتمجيد الاصنام البشرية فقط.عندما نتقدم علميا و صناعيا و ثقافيا و سياسيا و اجتماعيا فأن اللغةتسري في اوصالها و تفرض نفسها.
  • »معك حق سيد يوسف (مرار ربحي)

    الأحد 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    واقع وعلينا محاربته ومداركه الأمور قبل أن تستفحل