العيد والزيتون: مأزق الحب في أرض فقدت صهيلها

تم نشره في الجمعة 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 03:00 صباحاً

 على تخوم الشتاء يسبح الفلاحون عكس التيار، ويميط الزيتون في قطافه اللثامَ عن مقاومة ذعر تاريخي لقرى مُكفّنة بخدمات عرجاء وروائح احتراق النفايات. في زمن الزيتون هذا تبدو القرى كمنصة للبكاء، ترفع عقيرتها بدموع الاعتراف باقتراف الخطيئة، حين تخلت عن روحها طمعاً في تحضر فقدت مشيتها قبل أن تلج الطريق إليه.

وعلى الرغم من احتفائها بالزيت القادم على أُهبة عيد لا تجرؤ قرى اليوم أن تعشق عكس الريح، أو أن تطلق الأعنّة لخيول أحلامها. وفي القرى قبل أن يدهمها النزق كان الزيتون شاهداً على تراجيديا السياسة والعذاب الإنساني، وكان هذا الزيتون باحثا عن مكان محض لا التباس فيه.

 يقدم العيد للريف في عيد زيتونه كوامن فكرته لبلوغ لحظة يقف فيها على شرفته قاهرا قاهريه، لئلا يظل مليئاً بالتعب في لوعة الاشتياق والشهوة للصهيل.

 يحفر العيد في الريف كعاشق مفجوع بخفقانٍ رتيب، مُذكِّراً بأن القرية دُفعت قسراً نحو حافة الحياة والموت، وهو لا يُقرُّ هنا منطقية تعاقبهما على الوجود.

 أملاً في إنصافه يفاجئ العيد زيتون الريف كشخصية محورية تعيش سكرات الموت، يستعطفه نهوضاً يشكل مفارقة في خضم التباس التداعيات الملحمية للموت.

 يفهم العيد أنه يأتي في لحظة غائمة، يتكثف فيها التوتر والحميمية وتنزاح الهوية على نحو لا يعرف حدوداً فاصلة بين الموت والحياة، فتبدو القرى كأجساد مسجاة تنتظر دفنها بعدما صارعت موتاً تدحرج ككرة ثلج.

 يُحصي العيد ضفائر الجميلات وترانيم الليل ليقيس قدرة الريف على الاحتفاء بالحياة بعد أن افتقد مكره في أن يمتطي نعشاً فارغاً، أو أن يمحو الحدود بين استدارة أنثى وانثنائها.

 بلا ملامح هذا العيد، فيما إيقاع الزيتون ليس صاخباً وحدثه لا يشتعل وإن لامس ذروة اتقاده، فيبدو بليداً بداخلنا كأن كهنوت الصحراء ما يزال يتجول في الأرجاء.

 يضجُّ العيد بشكوى مُرّةٍ من ريفٍ لا يدفع إلى الاقتناع بشخصياته وأمكنته التي لا تمثل حالة حب تُستدعى من مخيلة تقف عند عتبة التطهير والجرأة والمغامرة، وهو لا يحمل ترميزاً مشحوناً بالحيرة والقلق على الوجود.

 قبل أن تدهمها المنايا كانت القُرى رقاعاً من فردوس وممتلئة بذاتها، وكانت تعاقب رافضيها بتمسك المحبِّ الجامحِ بفتح أبوابها لندماء تخشى أن يدخلوها النسيانَ.

 لا يريد العيد من ريف نسي نفسه في الغياب، أن يعيد زمنا لا يعود، فهو لا يطلب استعادة حلم هارب ومستقبل بأبواب موصدة على طعم الجمال.

 قال العيد قبل قدومه، إن أجمل الأخبار من القرى ستأتي غدا، لكنه لم يعلم أن الريف لم يتأقلم فاستقال، بينما ما يزال المزوّر يردد أن الريف في أفضَلِ حالْ.

 كان في الريف ذات مرحلة بذرة رفض وتحدّ، وكان يختنق غمّاً إذا ناله الأذى، إذا أقلع عن شقاوته، وإذا غابت عنه كروم عنب وتين يلوذ بها الجياع قبل أن يوقظ فيهم الجوع لوناً سياسيا وحلماً بحياة أكثر جمالاً واحتمالاً.

 وليكشف روح الريف ومكنوناته يستحضر العيدُ لغةَ الذاكرة والحنين ليغدو وتراً يضبط سياق الزيتون، ومفاتيح الريف على إيقاع حكاياته وأهازيجه، وهو يهيئه لسماع أسطورة الغول المخبوء في ذاكرة تنزف موتاً بعد أن قدّم الناس أنفسهم قرابين للسراب.

 يكتمُ العيد أنفاسه على أٌهبة فرح يبتعد بفعل عراءٍ توغلَ كثيراً وراء أفقٍ يُكابرُ رغم امتثاله للانحناء، فيبدو كنصٍّ مثقلٍ بهمومٍ هطلت كمطر في آب ملتهب، لكن عيون العيد يقظةٌ ولا تعرف كراهيةً تُسدِّدُ حممَها صوبَ الفضيلةِ.

 مع اندفاعة الزيتون المملتئة بوهج الحياة، يصدر الريف صرخة تنعش فيه مقاومة الخشية والانزواء، على الرغم من واقع يشبه فزاعات للطيور نصبت بإحكام في حقول اختطفها المرابون رهينة.

 على أهبة العيد، ترفض روح الريف منطق "نعم وامضِ" وهي تقدم رؤية للخروج من الكابوس لتملأ خوابي الزيت بفرح الفلاحين.

 يسردُ العيد النهاية الحزينة لقصة الريف والزيتون، هذا الثنائي الذي يبدو كمن رأى كابوسا صار نذير شؤم بتغير الأحوال والأيام على الرغم من إصرار على البقاء ورفض الترحيل، فهو يؤمن أنّ العشقَ لا يرتوي والحلم لا يتحقق والبحث يظل مستمرا، وإن كان مُحاطاً بمشهد سوداوي مثل ليلٍ حالك.

 على فراش مرضه، يرفض الريف محنته وغطرسةَ الواقعِ وهو كدأبه يتفاءل بحب سيصبح متناً ونصاً حقيقياً لحياة لا تنضبط على إيقاع حداثةٍ تُقلِّم أظفاره ليخونَ روحه على مذبح النفاق، حداثةٍ مدججةٍ بموتٍ تم استيراده من وراء الحدود.

 في انزوائها الأبدي، تختار بقايا الريف أن تحاور ذاتها فتصغي إلى صوت دواخلها، لتستلذ بكواتم سرها وإخفاء أوجاعها المفرطة في استيلاد النحيب.

 ولفرط ما لديه من حبٍّ يستطردُ الريفُ وهو يستجمع عدته ليقدم زادا بنكهة تعبِ ابتكار عناصر حياةٍ تبدو مستحيلة.

 يدرك الريف أن خلاصه سيجيء عندما يتوقف نزفه على بوابات التحديث القسري ليقفل حكايته، ويمضي صوب قادم مثقل بالرمادي، صوب مستقبل سيثير فيه شوقاً مستبداً لماضٍ غدا ولن يعود.

اليوم في الريف مأزق حُب، ومواسم زيت بلا طعم يخلب الألباب. 

sulaiman.qbelet@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »احييك (parehan)

    الأحد 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    من اجمل ما قرات .. وقد كنت حزينة لما لمسته من طقوس مدهشة داخل المجتمعات الاسرائيلية في احتفائيات يحملونها للعالم حول مواسم قطف الزيتون.. حزنت ... واليوم حزنت اكثر .. احييك على هذه الكتابة الادبية الرائعة ذات المحتوى الشديد العمق ...