هاني البدري

غيرة مشروعة

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

 

أعترف بداية انني وقعت في حب الجزائر من اول نظرة.. منذ ان زرتها في أواخر التسعينيات عدة مرات، كانت وقتها، الثورة والحكومة والناس يتحسسون طريقهم في مواجهة عاصفة دامية أدخلت البلاد في بحرٍ من دم، رأيت بعضاً منه في (البليدة)، عندما كان الإرهاب والجهل و"العند" تترك آثارها في جثت أطفال ونساء لا حول لهم ولا قوة.

ثانياً.. بيني وبين القاهرة عُمر، شكّل قناعاتي تجاه تلك المدن التي لها "روح" من دون الأخريات.. معها ربطني عُمرٌ آخر بمحمد منير وحب مع نور الشريف وسميرة احمد وصلاح زكي ووجدي الحكيم وسمير خفاجة.. والكابتن مجدي عبدالغني.. علاقة هي حكايتي التي اكرر روايتها في عشق الإنسان بالمدن.

أما بعد؛ فلا أفهم حتى اللحظة، سبب هذا الضجيج الذي ساقتنا له نحن في الأردن ظروف ما قبل الموقعة التاريخية الرياضية بين الجزائر ومصر.

بل وحتى خلالها، لم أستوعب بعد، هل كانت تلك الأصوات التي تخرج مترنحة بين دخان الشيشة في مقاهي عمان تلهج بالدعاء لفوز مصر أم لخسارة الجزائر؟.

ثم ما لنا نحن وكل تلك الملحمة الكروية التي بالغنا في تعاطينا معها حتى تجاوزنا أصحابها، ليس في الأصوات التي ملأت الدنيا لذلك الهدف أو تلك الفرصة، ولكن لهذه المواكب السيارة من الشباب، التي خرجت "بزماميرها" وأضوائها... وتوقفاتها وسط الشوارع والمارين فرحاً بفوز مصر "العزيزة" على الجزائر "الحبيبة".

أقول لكم... لقد ركبنا نحن الفاقدين لمصادر الدهشة والفرح، المندفعين نحو "هيزاعية" ما في أي مكان، موجة حرب الاعلام التي واكبت التحضير لهذه المباراة، أثارتنا ايام الرد والردح الآخر في وسائل الإعلام المصرية والجزائرية، وجدنا في الأخبار والتصريحات والصور والبوسترات، حكاية نتعلق بها، و"نتعربش" مرة اخرى في تفاصيلها وتوابعها.

إذن كيف لنا أن ننسى ان منتخبنا الوطني يخسر أمام إيران في موقعه لم تعدم الحرب الإعلامية (على الاقل) من الجانب الإيراني قبل ساعة.

وكيف ننسى ان فرصنا في رفع العلم (الغالي) في الأجواء الآسيوية، قد باتت شبه معدومة، وكأن القدر يصرّ على تلقيننا الدرس بأن ننظر في مرآة الحقيقة لنرى صورتنا التي لا نريد ان نراها، صورة الناس الذين "يُرقّعون" خيبة رجاهم، بانتصارات بالية، ويغطون عورات إحباطهم بالتلويح والتشفيط والصراخ اثناء الاستماع لأغانينا الوطنية.

وكأن تلك هي فقط الوطنية، امّا ان نجتهد ونفعل شيئاً يدفعنا للفخر باسم بلادنا، مثلما فعل المصريون والجزائريون فلا.

فرحنا وطنطنا بالبتراء وصوّتنا لها كمدينة من عجائب الدنيا، فزنا وبعد ان انفضّ "المولد" انتهى الموضوع برمته، وها هي البتراء تستجدي زائراً حتى ولو من باب المجاملة!

أليس لدينا ما يفرحنا نحن أبناء هذا البلد، ما يسعدنا، ما يرفع عنا أعباء الأسعار والأزمات المرورية والمشاكل الاجتماعية.

أين شاشتنا الوطنية التي ذهبت ولم تعد منذ ان كنا رواداً يستفيد من قدراتنا كل الأشقاء.. اين أحزابنا، اين نحن من عالم الأغنية والدراما والشعر والأدب، اين ذهبت التايكواندو والاسكواش التي كنا ننافس بها، ذهبت بلا عودة، لأننا لم نعد نملك شيئاً نحبه ونتعلق فيه.

بقيت مناقشاتنا وجدلنا العقيم ومناوشاتنا الى جانب القضايا (الصغيرة) التي تلهينا.

مصر والجزائر مبروك وألف مبروك، لكن اين نحن؟ وهل سيأتي يوم يتعالى صراخ شباب مصريين فيه بأحد مقاهي "الدقي" بالتهليل لأداء المنتخب الأردني في موقعة ما؟.

أسئلة قفزت الى ذهني وأنا أتابع هذا الضجيج الذي واكب الحرب الإعلامية المتبادلة بين القاهرة والجزائر.. وقتها تذكرت الكليشهات التي تعودنا على حفرها في عقلية "المشاهد المسكين" في الأخبار حول "العلاقات الأخوية المتينة" و"أواصر الاخوة الراسخة".. وأكيد "القضايا ذات الاهتمام المشترك"..

المهم ان احداً منا لم يسأل وسط كل ذلك من ذا الذي يستحق من العرب ان يمثلنا في كأس العالم... وإلى اللقاء في الخرطوم.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نحن السبب!! (دلال نور الدين)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    للاسف يا استاذ هاني ما قلته هو صلب الحقيقة التي لا يمكن انكارها.. لقد تعودنا على الفزعة و الهيزعيات لكن لا نستمر في تثبيت النجاح . بدليل اننا حتى في كرة القدم نكون فائزين 2:0 و في اخر دقيقة تنقلب الموازين و نصبح مغلوبين لاننا نضدق اننا الفائزين و لا نتعب على المحافظة على الفوز . شكرا لك على المقال الرائع
  • »انا بغار (اردني حزين)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    صح لسانك استاذ هاني و الله انا قربت اطق من الغيرة و اتمنيت اكون مصري و الا جزائري يس شو الواحد بدو يعمل مع هيك ناس حسبي الله و نعم الوكيل
  • »لن نشجع الا الابطال (مبلي جزائر)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    نعم نحن شجعنا الجزائر من كل قلوبنا لانها بلد تحترم الرياضة و قد رفعت رأسنا في العالم و لا ننسى الالعاب الاولمبية . أما رياضتنا فالله يعوض .. على الاقل الجزائر بلد عربي و مصر ايضا . لقد حزنا على كل الذين ضاعت فرصهم بالتأهل لكأس العالم مثل البحرين لكننا لن نحزن على فريقنا الذي لا يعرف كيف يفرحنا مع انها و الله لا ينقصه شيء!!!!
  • »لا يجوز أن نشعر بالغيرة (زاهر)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    الأستاذ الفاضل هاني البدري /السلام عليكم
    شكرا لجريدة الغد التي تمنح قراءها فرصة النقاش مع كتابها الكبار
    نحن ياأستاذ هاني بصراحة لا يجوز لنا أن أن نشعر بالغيرة من أخواننا في مصر أو في الجزائر لأننا منحنا الفرصة مرات عديدة و لم نستفد منها .
    اهتمامات الشعب اليوم هو في تكريس العشائرية و الأقليمية في كل مناحي الحياة حتى في الرياضة .
    في مصر هناك أهلي و زمالك و هناك حوار ساخن لا ينقطع بين جمهوري الفريقين لكن بأدب و احترام و بدون تنابز بالألقاب .
    هذا مثال بسيط يستدعي منا الوقوف لنعرف لما لا يجوز لنا أن نشعر بالغيرة .و شكرا لسعة صدرك
  • »تحيا مصر (أسيل جمعان)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    شكرا للكاتب المبدع هاني البدري .. انا بشجع مصر لاني بحب ام الدنيا و الله المصريين دمهم خفيييييف ..
  • »فقر وقلة كيف (طارق شواوره)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تحيه من القلب الى القلب للكاتب هاني لما اوجزه في مقاله عن انجازاتنا السابقه في محافل الرياضه ولما وصل اليه الحال في هذا الوقت من الزمن
    لا اعرف ما هو سبب تراجع الانجازات التي كنا نفخر بها في رياضات مثل التايكوندو والسكواش وكرة السله وخطوطنا الاولى في كرة القدم كنا في الماضي ليس فقط مشاركين من اجل المشاركه بل كنا ننافس بقوه لا اعرف ما هو السبب الذي به تردة الرياضه في بلادنا وذهبت الاراده والعزيمه والفرحه لرفع علمنا علي منصة التتويج هل ذهب احساس الغيره من الاخرين ودموع الفرحه لم يعد لها معنى وعلم بلادي يرفف على منصة التتويج هل الرياضيين لا يملكون حس الوطنيه وهم مشاركين فقط من اجل المشاركه
    قد حان الوقت لنغير مفهوم الوطن لكثيرمن الناس ليس الوطن ان اضع ملصق على سياره لاخفي الزجاج ولا الوطن في اغنيه تكون معانيها خياليه وكانها مقال في جريده الوطن ان اعمل دون كلل وملل لكي ابكي دموع الفرح لما انجزناه في جميع المحافل الرياضيه وغيرها
    لا اخفي عليكم اني اشتقت لدمعة الفرحه التي انهمرت من عيوني قبل عددة سنوات لما انجزناه في كرة القدم والالدمعه التي نزلت عندما خرجنا من تصفيات الصين وكنا على قدر اهل العزم اما الان فهزمنا في مباراة ايران ولم يتحرك جفن عيني لاني لم اجد لاعب واحد يقاتل من اجل ان يفرح ٥ مليون نسمه وكانهم ينتظرون نهاية المباراه لكي يذهبو لتسوق في شوارع طهران لم اجد في عيونهم محاولة النصر بل عيون تتعجل نهاية اللقاء لتحزم امتعتها لتعود ارض الوطن محملين بالهدايا ولم يشعروا ان هناك ملايين الاردنين قد ناموا بسببهم على وجوههم محبطين فكان ملجأهم مباراة مصر والجزائر وكنا نشجع مصر لانه الاقرب الينا جغرافيا وحبنا لجزائر ليس اقل من حب مصر لكن قدرنا ان نشجع فريقا لايرفع علم بلادنا
    فنختار فريقا حسب مكانته في قلوبنا وننتمي اليه لحين فوزه نفرح وننسى بعد لحظات لكن ما اشتاق اليه هو الفرحه التي تستمر وتستمر تكون من صنع ابطالنا ورجالنا فنحن لسنا باقل منهم عزيمه واراده لكن ما ينقصنا معنى كلمة وطن وكيف نعمل من اجلك ياوطن وشكرا
  • »رداً على الردود (محمد)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    نعم هذه هي كرة القدم ومن اصول اللعبة ان تنحاز لفريق ما ضد فريق آخر مهما كانت اصوله عربية او غربية، فهذه ليست من السلبيات ولا القمع انما هي "اصول اللعبة" فريق فائز والاخر خاسر، وان كان المقصود هنا بالسلبية التفريغ للشحنات المتراكمة لاصول الفريق من مكبوتات تعتصر داخلنا (فلتكن هكذا)..
    وإن طمحنا ان نكون في يومنا ما داخل اطار هذه اللعبة سنحصد الكثير من تلك المتركمات.
  • »اُحجيةٌ غريبة.. (محمد زِكري)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    "حين تفقد الأمل في نفسك تبحث عنه في ابنائك" فحالنا التي اشار لها الكاتب (هاني البدري) في مقاله (غيرة مشروعة) تشبه لحد كبير ما اعنيه في فقدان انفسنا للامل، فدائماً ترانا نعزو فقداننا لذاك الامل عدم تكافئ الامكانيات المتاحة "قد تقتنع وتصدق" لكنك حينما تقف امام المشهد الواقعي لمجتمعاتنا العربية تُصاب بالذهول والاستغراب فترى ممن يمتلكون الامكانيات ايضاً فاقدون للامل، لنستنتج ان فقدان الامل ليس حِكراً علينا في مجتمعنا المحلي إنما هي اُحجيةٌ غريبة لمجتمعاتنا العربية ككل.
    نعم، فجميعنا يشغف للفرح وقد لامسناه لفترة وجيزة ومحدودة لمنتخبنا الوطني وكان اثره وصداه في نفوسنا كبيراً حين تابعناه واذهلنا بإنجازاته ولكنه سرعان ما انطفئ.. واطفئ قلوب الحالمين.
    اما تطلعاتنا المستقبلية، فنتمنى من المعنيين ان يحققوا لنا الحُلم الكبير ويزرعوا لنا الامل ولو على المدى البعيد.
    اما تطلعاتنا لاشقائنا العرب المتنافسين، فنتمنى للفريق الافضل والاجدر الفوز ليُشرفنا امام العالم.
  • »في الهدف (ابو قصي يحييكم من الرياض)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    نعم يا استاذ هاني كلامك 100 100 وهذا تقريبا ما يدون بعقول كل من يحب الأردن ويتمنى له الخير - أشعر بأن البلد ماشية على البركة بمعنى أن كثير من الوزارات لا تقوم بدورها كما يجب واهما وزارات التخطيط والتربية والعليم والتنمية - أقولك والله كلهم - يمكن أكثر وزارة تتقن عملها هي وزارة الداخلية "الله يطولنا بعمرها" - اخيرا لا أقول إلا الله يستر على البلد من الولد وولد الولد
  • »غيرة مشروعة جدا !! (أحمد عبدلله)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    أستاذ هاني استمتعت بمقالك الرائع الموجع.. و لكن الضرب في الميت حرام! وانت تعلق الجرس على باب بيت مهجور.. نحن شعب غافل عن حب الحياة و متمسك بأدبيات الكراهية و السلبية و الخنوع.. و الا ماذا ينقصنا عن شعب (طفح الكوته) فقرا و قمعاو تغريبا قصريا مثل الشعب المصري ؟ نحن نملك كافة أسباب الانتماء و الحب لهذا الوطن لأننا عشنا معه الحلوة و المرة و لنا مذكرات عظيمة تجمعنا و اياه و لكن أتعلم ماذا ينقصنا ؟ أولا : أن نتعامل مع البلد على اساس أنه انسان يحب و يكره .. يغضب و يسامح .. يحيا و يموت !! ثانيا :أن يشعر كل مواطن في هذا البلد أنه وحده يصح أن يكون وطنا.. له اسمه و علمه و نشيده الخاص .. لكنت يا سيدي سترى راية عريضة و لا أحلى و ستسمع أغنية وطنية و لا أعذب ..و فريقا كرويا يجمعنا في أحدى الأمسيات على نفس واحد !! سلمت يدك و دام قلمك المشاكس !