الأضاحي مرة أخرى

تم نشره في الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

 

لا بأس بتواصل الحديث عن الأضاحي لعلنا نقترب من فكرة أكثر صوابا، فليس المقصود مناقشة صواب شعائر الأضحية ولا الاستغناء عنها، ولكن الفكرة الأساسية هي البحث عن الحِكَم المقصودة للشعائر والعمل على تمثلها وتطبيقها، فالأضحية تعبير عن الشكر، أو هي متعلقة بأسلوب حياة أو هي دعوة إلى أسلوب حياة، هي ببساطة كيف نحافظ على مواردنا الأساسية التي تقوم عليها حياتنا.

وقد يكون من الخطل الكبير والتحقير للأضحية أن تقارن الدعوة إلى تنظيمها ووضعها في سياق معناها وحكمتها بالإسراف والهدر في التدخين والاتصالات غير العملية وسائر السلع غير الضرورية وبخاصة المستوردة والمكلفة منها، هذا برغم أنني كتبت كثيرا ومبكرا وربما أكون من السباقين في الكتابة المتواصلة والمتكررة عن ترشيد الاستهلاك وربطه بالموارد وأسلوب للحياة يزيد الموارد ويجددها، والبحث الدائم عن فن للحياة يجعلها أكثر جمالا ومتعة وفائدة وفي متناول وقدرة جميع الناس، وأتذكر الآن وأنا أكتب هذه الكلمات مئات المقالات التي كتبتها في هذا المجال.

ولكن الموقع الرئيسي للدين في حياة الناس وأعمالهم يجعل لمناقشة فكرة الأضحية آثارا ممتدة تتجاوز بكثير التكاليف المباشرة للأضاحي، فالمسألة ليست فقط تكاليف هذه الأضاحي، ولكنها متعلقة بالسؤال المفترض عن أثر هذه الشعائر في حياتنا، وكيف نطبقها على النحو الذي يقترب من الصواب ومن حكمتها الأساسية، ولذلك فإن الحديث عنها يكون أكثر أهمية وتعقيدا.

الأضحية تعبير عن القيمة الأساسية للطعام في الحياة والحضارة "فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، وعن شكر الله على نعمه، والشكر سلوك يؤدي إلى تكريم النعم ونمائها وزيادتها، أو هو مسؤولية يلتزمها الإنسان نحو أخيه في حمايته من الجوع، كيف نشكر الله على نعمة الغذاء؟ أليس ذلك يكون بالالتزام ألا يجوع أحد، وأن يحصل كل إنسان على الطعام المناسب والكافي؟ ألا يعني ذلك بالضبط التزاما فرديا وجماعيا ومؤسسيا بالمحافظة على الموارد وتنميتها وتجديدها على النحو الذي يجعل الناس قادرين على الحصول على الطعام؟ وتكون الأضحية مناسبة أو تعبيرا رمزيا عن استعدادنا والتزامنا بتوفير الطعام وحمايته وجعله في متناول جميع الناس، وكأن هذا اليوم من العام الذي يقدم فيه الإنسان الطعام لأخيه الإنسان هو عهد والتزام ومشاركة بما يشغل العالم كله اليوم، الغذاء وتوفيره ومكافحة الجوع، وكأنه أيضا لا معنى للأضحية أن تكون مستوردة وليست من موارد الناس وحياتهم، فالزكاة والصدقات هي جنس المال المزكى "وآتوا حقه يوم حصاده".

إن الناس في تطورها وسلوكها وتغير أحوالها يتغير فهمها أيضا، وقد ابتعد في ذهن كثير من الناس بتطور الزمن والحياة العلاقة الأساسية بين الدين والعبادة وبين الغذاء وسائر الاحتياجات الأساسية، وما تزال إدارة وتنظيم زراعة الأرز في أنحاء واسعة من آسيا طقوسا دينية يؤديها بالتحديد رجال الدين، أي أنها ينظر إليها على أنها عبادة.

وفي جميع الأحوال فإننا نواصل النظر والفكر بحثا عما هو أكثر صوابا او أكثر اقترابا من الصواب.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »great article ....I respect you (amman lover)

    الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    great article ....I respect you at least you don't talk and proud in your family..... we are great consumers we schould be more economic.......
  • »استكمال للتعليق السابق (أسامة شحادة)

    الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    يبقى نقطة مهمة وهي أن الأضحية ليست هي الشعيرة الإسلامية الوحيدة التى تعالج مشكلة الفقر والجوع.
    ولذلك حين غيبت المنظمومة الإسلامية المتكاملة من وجوب الزكاة والخراج وغيرها فمن الخطأعزل شعيرة الأضحية عن سياقهاالعام وبناء منظمومةمنفصلة بناء على اوضاعناالتى لا تساير الشريعة الإسلامية.
    فحين كانت المنظمومة الإسلامية تعمل معا لم يبق فقير او جائع كما لايخفى على الزميل غرايبة.
  • »لندعم المبادرات الفردية بدل من هدمها (اسامة شحادة)

    الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    أشكر الزميل غرايبة على تقبله النقاش حول فكرته حول الأضاحى.
    لكن يجرد التنبيه ان عدد الاضاحى لا يبلغ في الأردن اكثر من 60 ألف أضحية فقط بحسب تجار الأغنام!! ولذلك تصبح أرقام غرايبة فضائية
    ثانيا اسعار الأضاحى أقل بكثير من 200 دينار.
    اما مقال اليوم ففيه مناقشة بعد المقاصدوهذا مهم شرط أن لا يبطل الأصل.
    فالمقصود الأكبر هو امتثال الأمر الإلهي بالذبح والاقتداء بابو الأنبياء في تقديم ولده اسماعيل لله ولصدقه فداه الرب سبحانه بكبش عظيم هذا هو المقصد الأول تعظيم أمر الرب سبحانه .
    ومن ثمتأتى المقاصد الأخرى كالتكافل واطعام الفقراء، ولذلك كان الأولى بالزميل غرايبةالإشادة بمبادرات البنك الإسلامي للتنمية باستثمار لحوم الأضاحي في الحج لتبرد وتعلب وترسل لفقراء العالم وكذلك الإشادة بمبادرة الجمعيات الخيرية في ذبح وتوزيع الأضاحى على الفقراء في المحافظات والمناطق النائية وتميز تكية ام علي بمشروع تعليب الأضاحى لتوزع طوال العام.
    مشروع محاربة الفقر مسؤولية الدولة ولذلك لما ضعفت الدولة في عالمنا،بقيت الشعائر الإسلامية تقوم بالعديد من المهمات الضرورية لمواصلة الترابط والتمدن، فلذلك يجب الحرص عليها لأنها نابعة من الوازع الديني الفردي الذي لا يلتفت لمحاسبة الدولة له . من الحكمة في الوضاع البائسة المحافظة على المبادرات الفردية الجادة والهادفة وتركيز الجهود على التصرفات الهدامة حتى نتمكن من اصلاح الواقع المتردى لا هدمه بالكلية.
  • »سلم قلمك (Tasneem Gh)

    الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    مقالة رائعة وقيمة..انت كما عهدناك دائما تزداد تألقا في كل مقالة جديدة
  • »الأضاحي:سنة مؤكدة،وتكافل اجتماعي. (طارق أحمد محمد عمرو)

    الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    لايزال الأستاذ ابراهيم الغرايبة يطرق باب الكتابة عن الأضاحي يوما بعد يوم،ولا غرابة في ذلك فهذه الأيام هي مواسم الأضحية،وشرف للكاتب بل واجب عليه أن يكتب فيما له واقع واهتمام بين الناس؛لذا وتعقيبا على ما ورد في آخر مقال للأستاذ ابراهيم بعنوان (الأضاحي مرة أخرى) في صحيفة (الغد) يوم الأحد 15/11/2009 فأحب التعقيب بما يأتي:
    أولا: تعتبر الأضحية في الشريعة الاسلامية شعيرة وعبادة اتفق الفقهاء على مشروعيتها؛اذ ذهب جمهور الفقهاء الى أنها سنة مؤكدة على كل مسلم مستطيع ماليا ،بالغ،عاقل،مقيم غير مسافر،ويستوي في هذه الشروط الذكر والأنثى؛لأن النساء شقائق الرجال.
    ثانيا: من الفقهاء-كالحنفية-من قال ان الأضحية واجبة على من توفرت فيه شروط ايجابها عليه-الشروط السابقة أعلاه- فيأثم شرعا من قدر على ذبح أضحية ولم يفعل؛وذلك لقوله تعالى:"فصل لربك وانحر"،فالأمر هنا بالنحر كما فسره المفسرون هو أمر بالذبح والنحر للأضاحي في عيد الأضحى،والأمر كما قرره علماء أصول الفقه هو للوجوب.
    ثالثا: من خلال ذكر مذاهب الفقهاء مابين جمهور يرى سنية الأضحية ومن يرى وجوبها؛نرى أن القاسم المشترك بينهم هو:أن الأضحية شعيرة ومظهر من مظاهر الأحتفال بعيد الأضحى تأتي بعد أداء ركن من أركان الدين(الحج)؛كما أنها من جهة أخرى مظهر من مظاهر الالتزام بأهداب الديانة الحنيفية السمحة التى أسس لها أبو الأنبياء ابراهيم عليه السلام ،وأرسى دعائمها،وختمها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
    رابعا: من خلال ماتقدم نرى البعد العبادي التوقيفي في الأضحية ؛ فالمقصود الأساس من الأضحية هو ذبحها وأراقة دمها؛دل على هذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم وعد ذابحها بأن له بكل شعرة منها حسنة،وهذا الأجر لا يتحقق فيما لو تم التصدق بثمنها -مثلا-.
    كذلك وعد النبي صلى الله عليو وسلم ذابحها(المضحي) بأن ذنوبه تغفر قبل أن تسقط دماء الأضحية على الأرض؛وهذا ثواب لا يتحقق فيما لو تم استبدال الأضحية بطعام جاهز يعطى للفقراء-مثلا-.
    خامسا: قام النبي صلى الله عليه وسلم بنحر مائة من الابل عام حجة الوداع ان بيده الشريفة أو بتوكيل علي بن أبي طالب رضي الله عنه،كما أمر السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها بأن تشهد ذبح أضحيتها،وهذا كله يدل علي شرعية ذبح الأضاحي،وبذل الأموال في شرائها،واظهارها في المجتمع كشعيرة بالوجه اللائق لها ،وذلك من خلال:
    1- التعاون مع أمانة عمان ومسالخ البلديات المختلفة في المملكة ليتم الذبح في أماكن محددة وفق رقلبة بيطرية.
    2- التعاون مع الجمعيات الخيرية الموثوقة ذات الصلة ليصار لايصال اللحوم لمستحقيها،لمن ساء أن يتصدق.
    3- دعم الذبائح البلدية من خلال الحكومة وبيعها بسعر مخفض تتحمل الحكومة هامش الفرق فيه ؛ليتم دعم الثروة الحيوانية ومربي المواشي بطريقة متوازنة.
    وتقبل الله من الجميع.
    طارق أحمد محمد عمرو
    tareqamr@yahoo.com
    دكتوراة فقه وأصوله