الأغنية الشعبية: صناعة الحب والحياة بين الأمس واليوم

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

 ذات شتاء، دهم المطر بيوتا تحاذي الوادي في أقصى البلدة، حتى غدت أثراً بعد عين. عمّ الحزن وهبّ الناس لنجدة المنكوبين. توزعت الأسر المنكوبة على البيوتات، سوى واحدة بقيت تلازم أطلال بيتها الطيني تنتظر فرجا كانت توقن أنه لن يخلف موعده.

نزل حكم القدر على العائلة مسدلاً عليها كفناً من بؤس فوق بؤسها لتعيش فزعاً كان يساوي لشدة وطأته عذاب آلاف السنين، حتى غدت خبيرةً فى احتمال الألم، لكنها لم تسحق فى هذا الامتحان بل تشكلت مثل فلز.

 لم يمض صباح إلا واغتسلت وجوه كبار الأسرة وصغارها ببحر من دموع بفعل تهتك صنعه فقر أنشب مخالبه حول عنقها، لكنها مع الأيام أصبحت سيدة آلامها بعد أن أصغت إليها، واستفزت مصيرها لتنتصر على كسلها المتأصل.

 كانت الجدة في العائلة حكاءة أدمنت حفظ الحداء والقصيد وسرد قصص الأولين، وكانت تحفظ بقايا حداء يرصد ألماً جمعياً، ومكابدةً موحشةً وعاريةً، كان في حدائها حوار يقود الى إيقاع المراثي لغناء كان في القرى ذات زمن، لا يعني غيابه أو تغييبه اليوم إلا تعزيز سياقات وعي سمعي يفصح عن حجم مأساة أمكنة فقدت روحها، وراحت تتشظّى امتثالا لفعل الفاعلين.

 في صفوفي الثانوية كنت أحلم بكتابة قصة حول حداء الأردنيين بوصفه تجسيداً لسير متناثرة وآسرة ذات قوام بالغ الرقة والحضور في الوجدان الشعبي. حداء كانت تلوح في مراياه القرى المنسية اليوم، وبيوت الشعر ورائحة الأمكنة وشظف العيش، مختزلة تاريخ حكايات وعناء من ظلم الإقطاع ومشايخ الأرض وملاكها.

 كنت استمع الى حداء الجدة وهي تختزل قصصاً من الماضي لا تكفُّ عن الحضور اليوم في لحظتنا القاسية فتنبجس في سلوكياتنا لأنها تسكننا. وما إن أغادرها حتى يدهمني شعور بالمغامرة بكتابة أغنية تنسل الى رعشاتنا حين يفيض الحزن ويتراكم الألم. كنت أرنو من خلال حداء الجدة إلى أغنية ريفية بلون الصحراء ومداميك بيوت الطين وصورها المفعمة باللوعة المسرفة في حضورها، خصوصا على تخوم العتمة في هبوطها.

 كُنّا نرتدي أسمالاً باليةً، نحسب أن غسلها في العيد يجلب سعادة وإن حلّ في شتوية تحيل حياة القرية الى ما لا يطاق، فطرقاتها موحلة وأزقتها تكثف المعاناة.

 في القرية التي تلوذ بجغرافيا بليدة، بثّت الجدة حكاياتها في سرد كخطٍ موازٍ لإيقاع قصِّها، الذي يثير افتتاناً لغوياً يبدو كما لو أنه بيت من قصيد.

 وفي طريقتها الروائية الممتعة كانت الحكاءة الراحلة ماهرة في استدراج تراث القصّ الشعبي لتوقعه في حبائل مقاصدها العميقة. ذات قص أرادت أن تلفت الانتباه الى حميمية معانيه الى نفسها، وراحت تؤكد أن قصها بإسقاطاته جميعاً لا يغري السامعين في طول تأمل أو تأويل نظراَ لشدة وضوحه.

 لم تستسلم ذائقة الريف الأردني عبر تاريخه لأي جديد مثلما استسلمت للحداثة العرجاء اليوم، ونادراً ما نجد مقاومة تدفع جديداً مغايراً متجاوزاً للحظة التاريخية الراهنة، التي تشهد ظاهرة مختلفة في تكوينها وملامحها الثقافية. لا أدري، إن كان الغناء الشعبي على اختلاف تمظهراته البيئية الفلاحية والبدوية قد أسهم في بلورة هوية تخلص لها أجيال اليوم، إذ إن إخلاص حداء الأردنيين وغنائهم الشعبي لما سبقه من الأشكال يشكل امتداداً موضوعياً لإخلاص متوارث عبر الزمن، فيما لا يحتفي يومنا بما أزعم، بل إن غناء اليوم يشكل حالة رافضة بلا هوادة لأن يكون بديلاً موضوعياً يعبر عن إبداع قادر على الاستمرار في الوعي الشعبي، إلا إذا كان ما نشهده اليوم تجلياً وتمظهرا لموات الذائقة والثقافة السمعية، وهو حكم قطعي لا أجازف في التمسك بحقانيته نظراً لخطورته.

 لا يسعنا إلا أن نرى غناء اليوم بوصفه مكتمل المشروع والهوية، فيما هو يمسك عن كونه مستقبلا. بذا تلح علي ذاكرتي السمعية ما تدربنا في شرفته على تذوق الغناء الآفل الذي كان متأهبا لإنجاز انعطاف نوعي، إذ ليس لما يستشري من غناء من اسمه نصيب. في الأثناء تجد من يتساءل ما إذا كان الغناء الشعبي قد بلغ ذروة اكتماله كي يخلي الساحة لآخر بديل لا يبدو محملاً بهم الناس ومواجعهم؟!

ترى هل يتهيأ الغناء الشعبي لمغادرة نهائية وهو الفن الذي انداح من الخلجات؟! وهل عبّر هذا الغناء عن تجليات رحبة للبنية الذهنية الاجتماعية للأردنيين على اختلاف بيئاتهم؟!، بينما تتلبس شهوة الإضافة النوعية غناء اليوم، امتثالا لوهم عززه تفرده في الأثير والفضاء.

 يشي انفصام فن اليوم وخصامه مع سابقه عن صراع بُنى عقلية، وهما يبدوان يحدقان كخصمين متباغضين لا ائتلاف بينهما، فالأول يحتفي بذاكرة تؤرخ للأجيال ومتاعبها، فيما الثاني لا يؤثث الوعي إلا بتسطيح وتزييف يخلوان من اللاوعي الكامن في كلماته وتعبيراته الصاخبة.

 ولعل في استنطاق فن اليوم ما يعزز الناستالجيا لأزلية فعل الحب الذي انبنى عليه فن مضى وما يزال يتفيأ الذاكرة الجمعية.

تتسرب في غناء اليوم ثقافة كتاب كلماتها إن وجدوا، وتجربتهم التي لا تستند الى معاناة تمزق شخصياتهم وتستولدها من جديد مثلما صار لتلك الجدة وأسرتها التي أيقنت أنها على موعد مع جديد سيحين أوانه مهما بالغت المأساة في استحواذها على رسم معالم المشهد.

sulaiman.qbelet@alghad.jo

التعليق