تركيا وإسرائيل: أزمة أم عاصفة عابرة

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

  في الأيام الأخيرة، يسود العلاقات الإسرائيلية التركية جو من التهدئة النسبية، بعد أسابيع من تراشق الخطابات الحادة بين الجانبين، وبالأخص من جهة قادة تركيا تجاه إسرائيل، على خلفية سياستها الرفضية، والجرائم التي ارتكبتها في الحرب على غزة، لتكون بمثابة جولة ثانية من هذا التوتر في العلاقات في هذا العام.

التوتر الأول بين الجانبين نشأ في أوج الحرب على قطاع غزة في مطلع العام الحارلي، واستمر لعدة أسابيع بعد الحرب، ولكن بعد ذلك هدأت العلاقات وتم استئناف الاتصالات بين الجانبين، خاصة وأن تركيا كانت حتى الأيام الأخيرة قبل تلك الحرب، وسيطا في المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل، وهذا بحد ذاته يعكس مدى العلاقة بين تركيا وإسرائيل، التي لم توقف في ظل الحكومة التركية الحالية.

إلا أنه بعد تولي حكومة بنيامين نتنياهو مهامها لم يبق أي وزير من أحزاب اليمين المشاركة، مهما كبرت أو صغرت حقيبته الوزارية، إلا وتفوه ضد إجراء مفاوضات مع سورية تؤدي إلى انسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة، وولج الأمر إلى حد التصريح بمعارضة عدة وزراء لأن تلعب تركيا دور الوسيط.

هذا الموقف قاد إلى برودة في الاتصالات السياسية بين الجانبين التركي والإسرائيلي، وقاد أيضا إلى فتح ملفات لم يمر طويلا على إغلاقها، وعلى رأسها ملف الحرب الإجرامية على قطاع غزة.

في واقع الأمر لا يمكن تجاهل حقيقة تفاعل الشعب التركي في أوج الحرب على غزة، وما كان بإمكان الحكومة التركية أن تكون بعيدة عن أجواء الشارع ومنسجمة معه، ولكن يجب وضع الأمور في نصابها، لأن هناك من ذهب بعيدا في تفسير الموقف التركي تجاه إسرائيل، وكأن الأمر يقود إلى انفجار وقطيعة، بينما الحقائق على الأرض تقول غير ذلك.

إسرائيل وتركيا تربطهما علاقات استراتيجية متينة، تقودها المؤسستان العسكريتان في الجانبين، وهذا لم يتراجع في أي مرحلة، وأيضا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية التركي، إلى ذلك هناك علاقات تجارية ليست أقل متانة، ولندع الأرقام والمعطيات تتحدث وحدها.

تقول تقارير اقتصادية إسرائيلية إن حجم التبادل التجاري بين إسرائيل وتركيا في هذا العام سيتجاوز بليوني دولار، ورغم انه في العام الماضي تجاوز ثلاثة بلايين دولار، إلا أن الجانبين يؤكدان أن هذا التراجع حصل بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية، وأن الحركة التجارية في الأشهر الأخيرة أعلى بكثير مما كانت عليه في مطلع هذا العام.

إسرائيل استأنفت، في الأسابيع الأخيرة، الاتصالات مع تركيا من أجل فحص إمكانية استيراد المياه من تركيا إلى إسرائيل، إذ إن مفاوضات كهذه تجرى منذ سنوات بوتائر مختلفة، وتتعثر بسبب سعر التكلفة وحسابات اقتصادية إسرائيلية داخلية.

وهذا عدا عن استمرار تدفق مئات آلاف السياح الإسرائيليين إلى تركيا، رغم توقعات بالمقاطعة، على خلفية التوتر السياسي.

كذلك فإنه في ظل ما يظهر وكأنه أزمة، فقد ذكرت صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية الإسرائيلية أن شركة الصناعات الحربية الإسرائيلية تفاوض في هذه الأيام شركة صناعات عسكرية تركية، من أجل تطوير دبابات بحوزة الجيش التركي، في صفقة قد تصل قيمتها إلى مئات ملايين الدولارات.

أيضا، في ظل هذه الأجواء فقد جرت قبل أقل من ثلاثة أشهر مناورات بحرية مشتركة لإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة للأغراض المدنية والإنقاذ في حالات الكوارث.

إن قراءة واقعية للتفاصيل الدقيقة قبل الكبيرة، لحقيقة ما يجري على الأرض بين تركيا وإسرائيل، تقود إلى استنتاج أننا أمام عاصفة عابرة في العلاقة بينهما، فتركيا التي تسعى إلى أخذ دور إقليمي بارز يعزز مكانتها في أوروبا، سعت إلى آفاق جديدة في علاقاتها في المنطقة، بعد أن صدت حكومة نتنياهو في وجهها الباب، في مسألة المفاوضات مع سورية، وبالرغم من ذلك فإن تركيا لم تتخل عن عرض وساطتها على حكومة نتنياهو، وهذا ما سمعناه من وزير الخارجية التركي في الأيام الأخيرة.

التعليق