"أجيال ورا أجيال".. سؤال المستقبل في العالم العربي

تم نشره في الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

   حمل عدد نهاية تشرين الاول (أكتوبر) من مجلة "الإيكونومست"، ملفاً خاصاً عن تراجع معدلات الولادة أو الخصوبة في العالم. وتشير الأرقام التي استخدمتها المجلة، أن ما يزيد على نصف سكان المعمورة، خلال أعوام سيصل إلى مستوى "الإحلال" replacement، إن لم يكن حالياً قد و صل لها، حيث إن معدل الخصوبة، في العديد من دول العالم قد وصل إلى 2.1 أي أن في مقابل كل أب وأم هناك طفلان ذكر وأنثى (والإناث أقل من الذكور مما يخفض نسب الخصوبة أكثر).

وبالتطبيق الأوسع، فإن المجلة تشير إلى ما لهذا من تأثيرات سياسية، فتضرب مثلاً بالمظاهرات في إيران، والتي تشير إليها المجلة كواحدة من الدول التي يعد التعليم فيها منتشراً ومتساوياً بين الإناث والذكور، التي تعبر عن بروز جيل يسعى لأن "يحل" بدلاً من الجيل القديم من الحكام. وترى "الإيكونومست" أنه رغم محاولة نظام الحكم ورجال الدين في إيران منع "تنظيم الأسرة"، في بداية الثورة، وبغية زيادة عدد السكان، فإن معدل الولادة/الخصوبة قد وصل إلى 7 عام 1984، بينما في العام 2006، وكمؤشر على تراجع المعدل، فقد سجل 1.9.

وقد يكون من المهم الإشارة إلى الأردن أيضاً في هذا السياق، رغم أن مقالة "الإيكونومست" لم تشر إليه بالتحديد، حيث انخفض معدل الخصوبة فيه، كما هو الحال في إيران تقريباً، من 6.9 عام 1979 إلى 3.9 عام 1998، وصولاً إلى 2.4 عام 2009، حسب آخر الإحصاءات.

وتورد المجلة أسبابا عدة على الظاهرة وتداعياتها وأهمهما أنها، وعلى عكس "المالثوسية الجديدة"، وذلك نسبة إلى عالم السكان الإنجليزي "توماس مالثوس" الذي طرح في القرن الثامن عشر نظريته الشهيرة عن السكان، بأن أعدادهم تتزايد، وبالتالي يتزايد الصراع على الموارد، وبالتالي تكون الحروب كحتمية في حياة البشر، لا ترتبط بالمستوى المعيشي، فالأغنياء ينجبون أطفالاً أقل من الفقراء، وهؤلاء بينهم نوع من التوجه، كما تظهر الأرقام بعدم إنجاب أعداد كبيرة من الأطفال، وبالتالي، وهو ما لم تقله "الايكونومست" بات يعبر عن موقف ثقافي، ويبدو أنه تعبير عن نوع من التحول المديني، في العالم.

الملفت للنظر، وبغض النظر عن الجدل الديني حول المسألة، وهو بالمناسبة جدل يرتبط بالديانات السماوية الثلاث، ارتباط معدل التغيّر، وتعادل الخصوبة بالوفيات، بمسألة "الإحلال السياسي" في العالم العربي، وهو ما يسمى في العلوم السياسية بـ"تدوير النخبة"، أي الآليات الناظمة لمسألة تبدل النخبة السياسية، وانتقالها من جيل لآخر.

من المتعارف عليه، وللأسف، كما تشير أدبيات "التحول الديمقراطي" في العالم العربي، هو وجود حالة "التعمير في السلطة"، ولذا يلاحظ وفي معظم الأحيان، كبر السن النسبي للنخب السياسية في العالم العربي، وحتى إن انتفت هذه الظاهرة فإن العالم العربي لديه خاصية أخرى، في غياب آليات تداول السلطة، أوعلى الأقل ارتباطها بمعايير غير مهنية كالقرابة، أو الارتباطات الوجاهية، أو الزبائنية السياسية-الاقتصادية، وكذلك غياب مؤسسات الممارسة الديمقراطية، ومن أهم أدوار مثل هذه المؤسسات هو الدور التعليمي على الممارسة السياسية.

وبالتالي، إذا ما طبقت نظرية "الإحلال السياسي" في العالم العربي، فهناك جيل جديد يجب أن يحل بدل الجيل القديم في السلطة، وهو محكوم بمعدلات الولادة والوفاة، وفي ظل هيمنة النخب التقليدية على السلطة بأشكالها كافة (وبالمناسبة برزت هذه الظاهرة في أواخر عهد الاتحاد السوفيتي، وكان ميخائيل غورباتشوف بمثابة الشاب ضد كهول اللجنة المركزية للحزب الشيوعي)، وفي ظل غياب آليات للممارسة السياسية، وإذا ما أضيف لهذا كله غياب التأهيل اللازم لدى الجيل الجديد لدخول إما المعترك السياسي، أو سوق العمل.

الإيكونومست ذاتها خلصت في الخامس عشر من تشرين الاول (أكتوبر)، أن كثيرين في العالم العربي فقراء بسبب النظام التعليمي "المتعفن"- فما هو المستقبل أمام الأجيال المقبلة في العالم العربي؟

[email protected]

التعليق