إبراهيم غرايبة

الموارد والأعمال والجدوى

تم نشره في الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

  لنتخيل الوفر الممكن تحقيقه لو ترك خمس العاملين في المؤسسات الحكومية والخاصة عملهم، من مديرين يعمل مساعدوهم أعمالهم، ومساعدين يستطيعون أداء عملهم الموكول إليهم بربع الوقت المخصص، وعاملين يمكن للكمبيوتر أن يؤدي أعمالهم، ومهندسين وأطباء لا يزيد عملهم شيئاً ولا ينقص، وموظفين وإداريين ومهنيين في غير مواقعهم أو من غير حاجة حقيقية لهم، لا يعرف أحد ماذا يعملون أو أنهم لا يعملون شيئاً.

سيقل الضغط على الضرائب والموارد العامة، والمواصلات والنقل، وتنخفض نفقات الاتصالات والماء والكهرباء والطاقة، وتقل الحاجة إلى ابنية وأجهزة كثيرة ومكلفة ومعقدة، وتنخفض الحاجة إلى سيارات فخمة وتالفة مستوردة، ويختفي الزحام في الطرقات، وتنخفض تكاليف الحياة، وسيزيد الإنتاج ويتقدم العمل بالمتبقين من الناس، ويمكن بجزء من الوفر الممكن تحقيقه تقديم المكافآت نفسها لهؤلاء الأشخاص التي كانوا يتقاضونها من دون أن يعملوا، وربما يمكن تأهيلهم بالمبلغ نفسه ليشاركوا في أعمال حقيقية ومنتجة تضاعف الناتج المحلي.

كان الرئيس الأميركي الثامن عشر يوليسيس غرانت يتوقع الحرب الأهلية وكان قائداً عسكرياً، ولكن أحداً لم يستمع إليه، فترك الخدمة وانصرف إلى الشراب وغرق في اللاوعي، وعندما وقعت الحرب الأهلية عينه الرئيس إبراهام لنكولن قائداً لجيوش الاتحاد (الشمال)، وقد أخذ منه التزاماً بألا يشرب في أثناء النهار، ثم انتخب رئيساً للولايات المتحدة، وظل ملتزماً وعده للنكولن، فكان في المساء بعد انتهاء العمل، يجلس في "لوبي" فندق قريب من البيت الأبيض، ويلتقي رجال السياسة والمال، ويتحدثون ويشربون ويناقشون شتى المسائل ويؤسسون لقرارات واتجاهات كثيرة في العمل العام، وهكذا فقد نشأ تقليد "اللوبيات" ونشأت مؤسسات كبرى ومعقدة للتأثير في الرأي العام والقرار السياسي، واعتزل غرانت السياسة، وكتب مذكراته الشخصية التي تعد في نظر كثير من النقاد واحدة من أهم مئة رواية صدرت في القرون الثلاثة الأخيرة، كيف تطور الثقافة والتقاليد مؤسسات جديدة وكيف تطور العمل والسياسة والاقتصاد؟ كيف ينشئ أسلوب الحياة موارد وأعمالاً ومصالح جديدة؟

وفد الحكيم الباهلي على معاوية، وسأله ما المال؟ قال: فرس في بطنها فرس تتبعها فرس، قال: ثم ماذا؟ قال: عين خرارة في أرض خوارة تعول ولا تعال، قال: فما تقول في البقر والغنم، قال: تلك لغيرك، تحتاج لمن يباشرها بنفسه، قال: فما تقول في الذهب والفضة: قال جبلان يصطكان، إن أخذت منهما نفدا، وإن تركتهما لم يزيدا.

والواقع أنه فهم عميق لمعنى الثروة والغنى والفقر، فالمورد يجب أن يكون ناميا متجددا ومستمرا، وأن يكون قليل العناء والتكلفة، فالعمل مورد ومال ويجب أن يقاس بذله والعناء المترتب عليه بمقدار ما يجني الإنسان من موارد، وبمقدار ما ينعكس على حياته من تحسين وشعور بالرفاه، وإن كان غير قابل للزيادة فلا أهمية كبرى له.

[email protected]

التعليق