مستقبل الاستثمار في عملية السلام

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 03:00 صباحاً

 غابت عن معظم المعقبين على عزم الرئيس الفلسطيني عدم الترشح للانتخابات المقبلة، حصافة طرح السؤال الصحيح الموصل إلى الاستنتاجات الصحيحة، وافتقدت غالبية هؤلاء المتعجلين رؤية النهايات التي لا تنقضي بين عشية وضحاها، القدرة على الإمساك بأداة معيارية واضحة لقياس درجة صلابة النتائج المستخلصة في خضم القراءات المتباينة لهذه الخطوة الدراماتيكية.

لذلك سنضع جانباً ذلك الفيض من التخمينات والافتراضات والشروحات الزائدة عن الحاجة الموضوعية، وكل هذه الرغائب والتموضعات والاستهدافات الصادرة عن مواقف سياسية وأيديولوجية مسبقة، كي نكثف الضوء على النقطة المركزية في مضمون الرسالة التي رغب أبو مازن في إيصالها لكل من يهمه الأمر قبل الموعد المقرر لإجراء الانتخابات الوشيكة.

وهكذا، فإن السؤال/ المفتاح الذي أولجه الرئيس محمود عباس في قفل الباب الموصود بإحكام شديد أمام الاستحقاقات الفلسطينية المؤجلة طويلاً، هو السؤال المتعلق حصرياً بمستقبل عملية السلام المتعثرة، حيث بدا بخطوته هذه كمن راح يحرك المفتاح في الرتاج الصدئ، ولما استعصى عليه الأمر وضع كتفه واندفع بكل ما تبقى لديه من قوة، لعله ينجح في خلخلة الدرفة ولو قليلاً، بعد أن أخفق في فتحها بالصبر الجميل والنَفَس الطويل والملاينات العديدة.

فهل دفعة الكتف هذه، التي قد تكون آخر محاولة من جانب آخر المحاربين في ميدان السلام، فلسطينيين كانوا أم إسرائيليين، قادرة على شق الطريق مجدداً أمام هذه العملية التي تناوب على تقويضها غلاة عتاة، ومقامرون خاسرون، وكارهون أبديون، وأصحاب أجندات وخرافات وأيديولوجيات، متمترسين على كلا جانبي الصراع.

فإذا كان سؤالنا هذا هو السؤال الصحيح، فإن لنا أن نقرأ خطوة الرئيس الفلسطيني هذه على أنها المحاولة الأكثر نجاعة لدفع عملية السلام خطوة جدية إلى الأمام، أو قل تخليق قوة دفع جديدة لتحريك عربات القطار المتوقف في محطة ما تزال بعيدة عن محطة الوصول الأخيرة، خاصة وأن ناظر المحطة بدا متغافلاً عن عملية تخريب سكة الحديد من قبل لصوص كبار، وتجار خردة حديد صغار.

ولما كانت عملية السلام التي لم تسقط أرضاً رغم كل ما تلقته من ضربات قاسية، وظلت عصية على الاقتلاع لنحو خمسة عشر عاماً أمام ريح عاصفة هبت عليها من كل الاتجاهات، كانت أكبر عملية استثمار سياسي مالي مشترك، ساهم في رأس مالها التأسيسي ونفقاتها التشغيلية أميركيون وأوروبيون وعرب وغيرهم، فإن من المستبعد أن يترك هؤلاء مشروعهم الاستثماري عرضة للإفلاس الاختياري وهم قادرون بعد على ضخ مزيد من المال اللازم لإعادة تعويمه.

لذلك فإن استعجال نعي عملية السلام، قبل أن تقول أميركا كلمتها الأخيرة، تفكير رغائبي مجرد، لا سيما في هذه اللحظة السياسية المواتية لإحداث اختراق طال انتظاره، وتوليد جهود دبلوماسية مكثفة لإطلاق مقاربة جديدة مؤهلة لمعالجة الاستعصاءات المديدة، وحث القيادة الأميركية على إجراء مراجعة معمقة، وتقديم مقترحات خلاقة تعيد هيكلة المشروع الذي استثمرت فيه بكثافة، وبنت عليه بتؤدة، وحافظت على إدامته كلعبة لا بديل لها في السوق السياسي الشرق أوسطي الغاص بلاعبين كثر ليس لديهم بضاعة أخرى بديلة.

وعليه، فإذا كان أبو مازن قد تمكن من إلقاء حجر في مياه بركة السلام الراكدة، وحرك مياهاً أحدثت حلقاتها كل هذه الجلبة المسموعة جيداً في سائر العواصم المخاطبة بحاضر هذه المنطقة ومستقبلها، فإنه بذلك يكون قد حقن دماً جديداً في عروق العملية المتيبسة، تمهيداً لنقلها من غرفة العناية الحثيثة إلى سرير شفاء يسهر عليه فريق من أطباء الاختصاص المهرة، وهي نقلة قد تحدث أهم تحول في مجرى العملية السلمية، التي قد تتوقف ولكنها لا ترجع إلى الوراء.

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق