ياسر أبو هلالة

القضية الفلسطينية.. قضية أميركية داخلية

تم نشره في الأحد 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

أن يخدم عربي أو مسلم في الجيش الأميركي مسألة صادمة، فكيف عندما يكون فلسطينيا؟ في أثناء عملي في العراق، والرمادي تحديدا كان قصر صدام على شاطئ الفرات قد آل إلى قاعدة عسكرية أميركية. من سطح المكتب ليلا كنا نشاهد قصف صورايخ المقاومة للقاعدة والرد الأميركي عليها.

اقتحم الأميركيون المكتب واعتقلوا زملاء لنا، بتهمة التعاون مع "الإرهابيين"، وفي الدفاع عنهم كانت الحجة أننا نغطي حربا وننقل ما يصل من صور وأخبار ولو رغب الجيش الأميركي أن تنقل وجهة نظره فمرحب بها. وتجاوب قائد القاعدة، ووجدت نفسي في "القصر الشمالي" الذي تزين حجارته حروف "ص ح" بخط الثلث. تشاهد أميركا مصغرة الشقر ومن هم من ذوي أصول أفريقية وآسيوية و..عربية.

يرتدي نظارة شمسية كتلك التي يرتديها راكبو الدراجات النارية، متمددا في حديقة القصر-القاعدة. صدمت باسم العائلة "دودين" لنقيب في الجيش الأميركي! لم يكن راغبا في أي حوار سياسي، بدا لطيفا وهو يظهر عدم اهتمامه بالإعلام. دخلت في حوار داخلي مع نفسي كيف تجد فلسطينيا في قاعدة للجيش الأميركي وآخر في " القاعدة" وهل يمكن أن يقتل أحدهما الآخر؟

بعدها بسنين قابلت مستشارا سياسيا لباتريوس قائد القيادة الأميركية الوسطى (تضم العراق وفلسطين وأفغانستان) تعود أصوله إلى القدس. وتحدث وقتها عن مركزية القضية الفلسطينية من خلال عمله في العراق. قال أن باتريوس لم يتلق فئة عراقية إلا وتحدثت له عن القضية الفلسطينية وكأن المشكلات العراقية انتهت!

نقول القضية الفلسطينية قضية داخلية في الأردن. وهذا صحيح لكنها أيضا قضية داخلية أميركية. لأن أميركا بلد داخل في العالم والعالم داخل فيه. وهذا قوة أميركا. لو بنت سورا حول نفسها كانت مثل الاتحاد السوفييتي في زمانه. الضابط نضال مالك حسن جسد قصة نجاح لعائلة مهاجرة. فعندما يكون في العائلة محام وطبيب فهما أعلى السلم الاجتماعي في أميركا. وهو ما يؤكد أن سلوك العنف لا يرتبط بـ"المناهج والمدارس الدينية والأوضاع الاقتصادية..".

دانت المنظمات الإسلامية في أميركا الحادثة التي ستفاقم مشاكل العنصرية والتمييز، ومن يتابع تعليقات الأنترنت يلاحظ إدانة وحفاوة في آن، تعكسان التمزق الذي عاشه نضال. فهو خائن لبلده أميركا ولمهنته طبيبا وعسكريا. من زاوية أخرى هو خائن لدينه وأمته عندما يشارك في قتل العراقيين والأفغان. وهو الطبيب الذي يعالج الحيارى أنهى آلامه بالرصاص.

من خلال عمله عرف تفاصيل الجرائم الأميركية في العراق وأفغانستان. وحاول من خلال محام أن ينسحب من الجيش لكنه فشل. شاهد كوابيس رفاق السلاح من خلال رواياتهم، ورفض أن تفرض عليه، فاختار كابوسه. قبله فعلها أميركي ليس من أصول شرق أوسطية في قاعدة أميركية في الكويت، وفي الأسبوع نفسه فعلها شرطي أفغاني مع جنود بريطانيين.

ذلك كله لا يقلل أنه من أصول فلسطينية، فأميركا شريك في جرائم الاحتلال تسليحا وتمويلا وتواطؤا. وهو احتلال لا يمس الفلسطينيين وحدهم، وفي حرب غزة شاهد العالم هول الجريمة، وبعدها شارك الجيش الأميركي في مناوارات مع الجيش الإسرائيلي، وخرج علينا جنرال أميركي يقول إن الدفاع عن شواطئ إسرائيل (شواطئنا المحتلة!) كالدفاع عن شواطئ أميركا.

في تكساس، ورط الأف بي آي فتى أردنيا في اعتداء وهمي مستغلا تعاطفه مع القضية الفلسطينية. حوّل الرائد حسن الوهم إلى حقيقة، وفي أكبر قاعدة للجيش الأميركي. في الحادي عشر من سبتمبر كان المحرك الأساسي للتسعة عشر من المنفذين كما ظهر من تسجيلاتهم  انتفاضة الأقصى وصور محمد الدرة. الإرهاب هو رد فعل على الإرهاب ولا يولد من فراغ.

لا تستطيع أميركا أن تدير ظهرها للمنطقة وأزماتها، كل يوم تثبت نظرية روبرتسون أمين عام حلف الأطلسي سابقا صحتها: إذا لم نذهب إلى الأزمة ستأتي الأزمة إلينا. القضية الفلسطينية ليست ترفا في السياسة الخارجية، إنها قضية داخلية حتى لأميركا. 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا (الطحان)

    الأحد 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    سلمت يمينك ولا فض فوك والى الامام
  • »لماذا قتل ....! (ناصر عبييدات)

    الأحد 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    لماذا قتل؟! عنوان لفيلم مصرى قديم وفحواه مثل قصة( قاتل قاتل كنيدي) اي القضاء على (اللي شاف)
    لكن هنا القصه مختلفه ..

    مع انني ضد العنف تماما وضد قتل البرىء المسالم لكن عندما سمعت الخبر سرعان ما ارتبط بذاكرتي بمقتل مليون ونصف مليون عراقي برىء لاذنب لهم اقترفوه سوى ان الاقدار ساقتهم ليكونوا طعاما لنيران لا تعرف الا ان تحرق وتدمر وترمل ويقتل اوار شظاياها طفلا لا يرى في الدنيا اكثر من حنان امه ورضعة حليبه...

    امريكا ( كوكتيل) عالمي من كل الالوان والاعراق والاجناس وهم بالتكوين يميلون للعنف وعندما حاول البعض التعرض لموضوع بيع السلاح وجد من يتصدى له ويقول " هذه تقاليد امريكيه"!!هذا فعلا ما قاله بوش الابن المفتون بحب العنف ..

    أما لماذا قتل ؟ فلم نكن معه ولعلها تراكمات حسيه ومشاعر كالبراكين النائمه تثور فجأة ولا تبقي على شيء.. ولعل بعضا من زملائه استفزه ..- الله وحده اعلم -
    اذ لم يكن سهلا ان يخرج " طبيبا" عن اطواره بمثل سهولة القتل الذى كان...

    العنف يولد العنف وقالت امثالنا" بشر القاتل بالقتيل والزاني بقطع الرزق"
  • »ازمة امه (صالح العزازمة)

    الأحد 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    ان ماحدث لامريكا وما يحدث لها هو جراء سياستها التى هضمت حقوق الشعوب الاخرة بالعيش بسلام فهي لاتكف عن التدخل بشؤون الدول بحجة حماية مصالحهاولذلك اصبحت القضية الفلسطينية شأنا داخليا لها وشكرا استاذ ياسر
  • »ويجب ترجمة ذلك (أحمد عزم)

    الأحد 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    مقال ممتاز ومهم عزيزي ياسر
    ولذلك أنا أحتج على مصطلح "التضامن" مع الشعب الفلسطيني، أنا أعتقد أن فلسطين قضية إنسانية بشرية. لأن الصهيونية داء عالمي يجب التخلص منه، فالصهيونية بما هي عنصرية تخلط الدين بالسياسة مرض انتشر كثيرا ومن مصلحة كل إنسان في العالم التعامل معه باعتباره قضيته الشخصية لأن أضرار هذه الحركة العنصرية تصيب العالم كله
  • »قلوب اللهم نفسي (خالد ذيبان)

    الأحد 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    ولكن يا اسياذ ياسر الذي يذهب العقل في السياسة الداخلية حين تعلم ان الرئيس دارس الفكر الصهيوني والغريب يتماشى مع التيار متى يستيفظ السياسي ويكون حرا ولكن الدولار اعمى القلوب عن الدين والشعب والارض والله المستعان
    وحسبي الله ونعم الوكيل على كل ظالم