إبراهيم غرايبة

ضد البصق في الشارع

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

 العالم يشن حملة على البصق في الشارع، وبعض الدول فرضت غرامة تزيد على الخمسين دينارا عقوبة على البصق في الشارع، وسبقت سنغافورة العالم بثلاثين سنة في هذه الحملة، وسبق الإسلام العالم بألف وأربعمائة سنة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "البصق على الأرض خطيئة، وكفارتها ردمها".

 وقد يكون مناسبا في حملة مواجهة الأوبئة أن نشارك في هذه الحملة، وبخاصة أنها ظاهرة ليست فقط غير صحية، ولكنها مؤذية للذوق، وعندما يخرج البصق من سيارة فخمة وجميلة فإنها تكون إساءة تهز البدن ولا يمكن نسيانها، وتؤشر إلى أنها ثقافة راسخة وعميقة لم يغير منها ما يظن أنه ترقي الإنسان وارتفاع مستوى دخله، كيف تصل قدرات الناس إلى الحصول على سيارة بخمسين ألف دينار، ولا تصل إلى شراء علبة مناديل بعشرة قروش، .. يا إلهي ساعدنا.

 في المدن والجامعات والشوارع المزدحمة بالناس والعربات يكون البصق أمرا خطيرا ومخجلا، لا يختلف عن التبول والتبرز في الشارع، وممارسة هذه العادة باستخفاف وبلا خجل يؤشر إلى حجم الاستخفاف الذي يتمتع به عدد كبير من الناس تجاه المواطنين والنظافة والأخلاق والذوق العام، كيف سننتظر من هؤلاء احترام القوانين والقيم والالتزام بها، وهم لا يمتنعون عن كتمان وإخفاء الأذى المادي والمعنوي للناس ومنظومتهم الاجتماعية والثقافية.

 المدن تحميها طبقات من الناس تتصالح على منظومة من السلوك والثقافة والوعي، وهذا هو "التمدن" وبغير ذلك لا يمكن حماية السلامة العامة والأخلاق، وإذا لم تنشئ المدن تمدنا تحدث كارثة خطيرة، لأن البصق في الريف والبوادي قد لا يضر أحدا، ولكنه في المدينة يؤدي إلى الوباء والتلوث وأزمة نفسية عميقة، ففي هذا الفضاء المزدحم بالناس والعربات، يؤثر سلوك الناس بعضهم على بعضهم وراحتهم وحياتهم وخصوصيتهم، البصق، الصوت العالي، منبهات السيارات، التطفل والفضول،.. وكل ما يمكن أن يكون عاديا ومسليا خارج المدينة يمكن أن يحول حياة الناس في المدينة إلى كارثة، كيف نحمي سلامتنا الصحية والنفسية؟ فهذا العنف والاستفزاز المنتشر والمتمكن يصعب مواجهته بالقوانين والسلطة، ولا أمل سوى بسلوك "متمدن".

 ونرى ويا لهول ما نرى كثيرا من الناس يعتزون بأنماط ريفية من السلوك، ويتعمدون الإزعاج والفوضى والعنجهية معتزين "بأصالتهم" ساخرين من السلوك المديني، بل يعتبرونه أمرا منفرا ومخجلا، وبالطبع ففي حالة مثل هذه لا يمكن الحديث عن ثقافة وفنون وآداب يمكن أن تنشأ، ولن يكون في هذه القرى العملاقة سوى النميمة وقصص الآباء والأجداد، والبصق في الشارع تعبيرا عن الأصالة، والتحرش بالنساء وإيذائهن بالنظر والإشارات، والأسوأ من ذلك كله أن سنوات متعاقبة من العمل والإقامة في المدينة لا تغير شيئا في السلوك والفهم والتصور، .. يا إلهي ساعدنا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التربيه (ابو السعود)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    للمدرسه دور كبير في تهذيب وتربيه الاجيال بدءا من الصغر وغرس القيم والاخلاق والتعامل الحسن والحث على التسامح والعمل الجماعي فيما بين الطلاب والابتعاد عن الممارسات الخاطئه والعنف ..الخ لكني اشك ان هذا ما يحصل في مدارسنا فعلا ولا ادري لماذا الاصرار على تسميه الوزاره "التربيه" والتعليم فلو كانت الوزاره تربي لما رأينا هذا المستوى من الفساد الاخلاقي
  • »Great (victory)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    شكرآ على المقال ، يجب محاربة هذه الظاهرة وأن تفرض غرامة على كل من يبصق في الشارع
  • »" البصق على الأرض خطيئة ، وكفارتها ردمها " (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    يا استاذ ابراهيم انت تظلم اهل الريف فسلوك اهل المدينة ينبعث من البيت .ولا له صلة بأهل الريف ,,فأهل المدن الذين تتكلم عنهم هم من المدينة ابا عن جد ، وولدوا وترعرعوا في المدينة..
    اشاركك الراي مئة في المئة فالبصق في الشوارع آفة منشرة كثيرا ..وأشكرك للفته الكريمة التي تفضلت بها تستشهد بنبينا العربي محمد ، صلى الله عليه وسلم... كنت اتوقع أن تسهب بالحديث عن قول الرسول بالنسبة للبصق ألف واربعمائة سنة ..وحبذا لو وزارة الصخة تعمم هذه المقولة المباركة وتضع يافطات كبيرة بشوارع المدن ، علا يخجل الناس من اتباع هذه العادة السيئة
  • »مدنية، تحضر، ورقي! (فيصل)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    أشكر الكاتب على ملاحظته لهذه الظواهر المقززة.

    أجل، الرقي والتحضر هما في السلوك والفكر وليس في المظاهر.

    وأهم مظاهر الترقي هو الرقي الفكري، وعكس ذلك هو التخلف بلا شك. وما الأمثلة التي ذكرها الكاتب إلا إثباتاً لذلك.

    بقي أن أقول للآباء والأمهات أن يتقوا الله في تربيتهم لأبنائهم منذ الصغر على التحضر والمدنية بجميع مضامينها الجوهرية وليست الشكلية. وهي مهمة زادت صعوبتها في هذه الأيام بسبب غياب دور مؤثر للمدرسة للأسف الشديد والذي يصاحبه عدم وجود وعي اجتماعي شامل بماهية المدنية الحقيقية.

    تحياتي...