نادر رنتيسي

حب قليل الألم في "الجاردنز"

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

كنتَ تبحثُ عنْ طريق مختصر يقودكَ إلى "عمّان"؛ الحقيقية كما رحتَ تصفها، وترد على منْ يسألك مستهجنا "وأنتَ أين الآنَ إذن؟"، بكثير من المجاز، أنكَ ما تزال في عمّان "القرية"!

مُغبرا كنتَ، تجهلُ قراءة أسماء الشوارع التي تتشكل من مجموعها "عمّان الحقيقية"، تلك التي تمشي على أرصفتها فتيات بأذرع مكشوفة، وتحارُ في أي جزء أنتَ من حقيقة العاصمة، تسألُ منْ ترى في هيئاتهم صورتكَ الأولى، كما في جواز سفركَ الفادح البياض، "أين شارع...؟"، وتتصبّبُ عرقا حين يستعصي الاسم المجهول المعنى لديك على النطق، وتستغربُ كيف أدركَ من سألته ما تعني من دون أن تنطق، ويوجِّهكَ بذراع نافرة العروق إلى طريق مختصرة لشارع "الجاردنز"!

قال لكَ زميل الدراسة، الذي غادر مبكرا مقاعدها، إن هناك طعما مختلفا للحياة، وروى لكَ كيفَ ترى، بالحقيقة، امرأة ترقص، تماما مثلما في الأفلام المصرية، وأكثر من ذلك تشعر بما واظب التلفزيون الأردني على "قصه" من مشاهد فيلم "سلام يا صاحبي"!

كان صادقا معكَ منذ البداية، فأخبركَ أن ذلكَ لن يتوفر لك دائما، وعليكَ أن تعمل مقدار شهر كامل من أجل مشهد سينمائي حي!

وقال أكثر..، وحذركَ أنه لن يكون بمقدوركَ الصبرَ لأكثر من يومين، حتى أن تفكر ثانية في العودة إلى المكان الصاخب، ولما تكتشف خواء جيبكَ ستنتظر باص المؤسسة الذي يبتلعكَ مع عشرة آخرين من نفس الرقعة على الرصيف إلى جوفه المتخم، ويقذفكَ في أسفل قاع البلد، ثم تصعد جبلا أو اثنين قبل أن تستقر تحت قدمي أمكَ تفبركُ الحيلَ، وتحترفُ الكذبَ أكثر كلما ألحَّت عليكَ اللذة، قبل أن تنتهي حارسا يحرس النساء من رجال مغبرين يأكلون أطراف أصابعهم..، بعد شهر من صدمة "عمّان الحقيقية"!

وتمشي في الشارع، حين يأتي النهارُ حيث لا يكون لعملكَ معنى، تلاحظ كيف أصبح يكتظ ويختنق بالسيارات المصطفة أمام مطاعم الأكل فيها سريع التحضير بنكهات مختلفة، ولهجات أكثر اختلافا تروِّج له!

تصعد بناية عبر المصعد الكهربائي، يكون معكَ شاب يحمل "بزنس كارت" بصورة لامرأة ومنشفة، ويجرِّب الأرقام المثبتة أسفله، لا يسألكَ عن شيء من باب الحذر، الذي دخلته كثيرا، تهمله وتمضي إلى المكتب الذي كان يعمل فيه مستخدَم اقترض منكَ عشرة دنانير. ولا تجده؛ فاليافطة طارئة وتتعرّض للتبديل وفق الاسم الثلاثي الصحيح في "شيكات" كاذبة!

دخلتَ كل فروع البنوك في الشارع، تسأل عن قروض حسنة، وكل مرة تشك في ذلك الوصف، ولا تكون جديا تماما لأن راتبكَ لا يزيد على ثلاث ورقات نقدية، وأكثر ما تحوزه ابتسامة باردة من موظفة على كاونتر محل الصرافة، تعطيكَ المعادل النقدي الأردني لعشرين دولارا أميركيا أكرمكَ بها رجل عربي أبيض اللباس!

تخرجُ من الشارع والألم في قلبكَ وخز خفيف؛ فالفتاة التي تصغركَ عشرة أعوام، وخريجة الكلية بمعدل مقبول، التي تعملُ بشكل مؤقت، منذ خمسة أعوام، مندوبة مبيعات دائمة الابتسام، لم تعطكَ ردا واضحا على طلبكَ غير الواضح بالزواج منها!

وتدخلُ مجددا، كل مساء إلى الشارع، يسألكَ أكثر من شخص مغبر عن شارع سهل النطق، لكنه يتلكأ قبل أن تتشكل حروفه على لسانه "الوكالات"!

وتحتار في أي جزء أنت من حقيقة عمّان، تفكر في العودة إلى قاع البلد، ثم إلى جبل أو اثنين، لكن باص المؤسسة في التاسعة مساء يكون زاهدا، ومكتفيا بخمسة ركاب نائمين أنكرتهم كل محطات الوقوف الكثيرة، في شوارع سهلة النطق!

Nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »!!! (منال)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    للاسف هذا المشهد موجود في كل العواصم العربية موفق اخ نادر في اختيار مواضيعك الرائعة
  • »قلوب اسمنتية (نادر احمد)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    - يا جارتي اسماء ...يا جارتي اسماء
    - ما بك... ما بك ماذا تريد بحق السماء
    - ذهبت... ذهبت الى العاصمة ذات مساء
    سهرت... سهرت فيها سهرة حمراء حمراء
    فاندست ... فاندست بجانبي حورية شقراء
    اه... اه يا جارتي اسماء لو رأيتي عينها الزرقاء
    وضعت يدها في يدي ودق قلبي فأسمع اهل السماء
    وسألتها ما اسمكي فقالت: نتاشا او الينا او اوكسانا
    من اي .. من اي بلاد انتي يا ثلاثية الاسماء
    من اوكرانيا او مولدوفيا او روسيا البيضاء
    _ وماذا... وماذا عن فتاتك السمراء
    - اوه ... ماذا.. قدمي لها العزاء
    ورحل مسرعا فصاحت عليه اسماء:
    ستعود ذات يوم خالي الوفاض ستعود ولن تجد من يتصدق عليك اما الينا او اوكسانا او ناتاشا ستعود بأموالك الى بلادهالتحيا بهم وصديقها الذي ينتظرها هناك والله ان صفعة على وجهك من يد فتاتك السمراء بداعي الغيرة خير من قلبة اسمنتية من فم ناتاشا او اوكسانا او الينا ستعود ( من طين بلادك الطم عخدادك) ( الي بيطلع لفوق رقبته بتنكسر) ( على قد لحافك مد رجليك) عد فكلنا نحبك هنا ارجع ... ارجع ... ارجع
  • »جميل جدا (سعد العورتاني)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    مقال جميل ورائع مثل ما عودتنا ايها الكاتب الرائع
  • »الواقع (كوثر ابو شرار)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    يقدم الكاتب صورة حقيقية عن الإنسان المريض بالرغبة والذي يبحث عنها ويدمر حياته أو يجدها في حياة مدمرة لإنه لا يمكل في حياته إلا أن يكون حارس للرغبة ..أسلوب سهل قدم فكرة معقدة
  • »دائما مبدع (ميس)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    للاسف يا نادر هذا حالنا
    شي بالحقيقة مؤلم

    مقال رائع
    و اسلوبك بالكتابة دائما رائع
  • »من عنوانو عرفت كاتبو ... (علاء الخليلي)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    مقال جميل .. وحلو كتير ..
    بيمثل الواقع وبيصورو ببساطه ..
    مشكور كتير .. والشكر ما بعبر عن شي ..
    لانو كلامك ومقالاتك .. اكبر من هيك بكتييييييييييير
  • »مقال معبر جدا (Yasmin)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    حقائق جميعنا نعرفها، ولكن جميعنا يتجاهلها بغاية التظاهر باننا نعيش في عالم خالٍ من العيوب !
  • »رائعه بلا حدود (أميره العمارين)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    اصبحت متأكده أكثر فأكثر, ان مقالتك يو م الجمعه تستحق فعلا أن أصحو باكرا نحو الصندوق الاحمر لقرائتها مرات ومرات, فانت تسرد الواقع بطريقه تصويريه رائعه, وتضع يدا بيضاء على اوجاع المجتمع, بوركت وبورك قلمك أخي نادر.
  • »mmmm (Nouna El Myr)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    هذا المقال يصور حقيقة موجودة في معظم مجتمعنا العربي.فهذه الظاهرة منتشرة و كثيرين يبذرون أموالهم من اجل اللهو في مثل هذه الاماكن.مقال جيد.
  • »ليس جاردنز (وصفي التل)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    انه شارع الشهيد وصفي التل الى متى نكران الجميل
  • »lol (طالب (مهدس مدني))

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    3eb 3ala ele fehem she
  • »............. (lyla)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    مقال جيد ومعبر عن تفاصيل المعانة اليومية ليس لجاردنزعمان بل لجاردنز الوطن العربي باكمله.....
  • »كل أسبوع (رنا سمارة)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    كل اسبوع قصة وحكاية مليئية بالتفاصيل نرى انفسنا بها ونشعر بها كأنها مرت بنا الأسبوع الماضي
    أستاذ نادر أنت سيد الكلمات حقا
  • »اعدني (yara)

    الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    لقد اعادني هذا المقال الى فصل شدي البروده و الامطار غزيرة ,, وهذا الشاب الغريب عن المنطقة الذي لا يدري (راسه من قدمي)...
    مقال جميل جدا لقد احببته ,,لقد استطعت نقلي الى عالم اخر :)