إبراهيم غرايبة

المراحل القائمة على الكوارث

تم نشره في الاثنين 26 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

تبدو الكوارث والأحداث الكبرى مؤسسة لمراحل وثقافات وأفكار جديدة، ولكن ذلك ليس مسارا عفويا، ويمكن الملاحظة والاستنتاج أن ثمة شركات ومصالح ودول تملك أفكارا ومشروعات جاهزة ومعدة بانتظار الكارثة، وبعضها يمضي في عمليات استكرات وتمرحل لأجل إتاحة المجال لأفكار ومصالح ومشروعات ما كانت لتمرر لولا الكارثة.

في كتابها "عقيدة الصدمة، صعود رأسمالية الكوارث" تعرض الصحافية الكندية ناومي كلاين كيف استخدمت الكوارث والأحداث الكبرى في التخلي عن منظومات اقتصادية واجتماعية راسخة وإنشاء بدائل مختلفة تماما، وتخدم مصالح وأفكار فئات وشركات ومجموعات مستعدة تماما لتوظيف اللحظة أو الكارثة القائمة، فمن أحداث الحادي عشر من أيلول لعام2001 إلى إعصار كاترينا وتسونامي إلى احتلال العراق تحركت بسرعة حكومات وشركات لتنشئ مصالح وأعمالا جديدة.

وبالطبع فإن أنظمة السوق ليست جميعها شرا أو ظلما، ولكن السؤال الملح هو كيف تتعايش السوق الحرة بمنتجاتها الاستهلاكية مع برامج الرعاية الصحية وأنظمة التعليم الرسمي والإدارة الحكومية لجزء كبير من الاقتصاد.

تعد تجربة تشيلي عام 1973 نموذجا يصلح للعرض في استخدام الصدمة لتغيير الأنظمة والبنى السياسية الاقتصادية والاجتماعية بقوة الدبابات والطائرات النفاثة، وكانت الأرجنتين هي البلد الثاني الذي انضم إلى التجربة عام 1976 عندما شكلت فيها حكومة عسكرية، وفي غضون سنة واحدة خسرت الأجور 40% من قيمتها، وارتفعت معدلات الفقر.

يقول عالم الاجتماع الأرجنتيني دانيال فيرستان: ليست الإبادة في الأرجنتين وليدة حظ أو عملية خالية من المنطق، إنما هي إلغاء منظم لجزء كبير من الشريحة الوطنية الأرجنتينية، يهدف إلى تحويل تلك الشريحة من خلال إعادة تحديد أسلوب حياتها  وعلاقاتها الاجتماعية وقدرها ومستقبلها.

لم تذكر حالة واحدة حتى الثمانينات تحولت فيها ديمقراطية متعددة الأحزاب إلى اعتناق سريع للسوق الحرة، ولكن في مرحلة لاحقة كان الانتقال الديمقراطي فرصة ذهبية لشراء وبيع كل شيء في الدول، ولتنشأ طبقات جديدة تحظى بكل شيء تقريبا وتحرم الأغلبية من كل شيء، إلى درجة دفعت الأسقف دزموند تيتو  للقول: ما نفع الانتخابات إذا لم تتحسن حياة الناس، وإذا لم تترجم الحرية على مياه نظيفة ومسكن وعمل لائقين والحصول على الرعاية الصحية؟ أو على حد تعبير الكاتب الروسي لورانس سامرز إن العيش تحت نير الدكتاتورية الشيوعية لم يكن أسوأ من العيش تحت رحمة دكتاتورية رجال الأعمال.

يقول مايكل دين في كتابه "أسياد الحرب على الإرهاب" التدمير الخلاق هو عنواننا، سواء أكان في مجتمعنا أم خارجه، نحن نقوم يوميا بتقويض النظام القديم، بدءا بالأعمال، وصولا إلى العلم والأدب والفن والهندسة والسينما والقانون.

وبالطبع فإن القارئ الكريم سيلاحظ ويستهجن الأمثلة المستخدمة من البلاد البعيدة، ويتساءل عن المراحل التي أدخلنا فيها في بلادنا، ولم تكن سوى فرص جديدة لرجال الأعمال والشركات ولم تستفد منها المجتمعات، ولا شك أن ذكاء القارئ  وخياله وقدرته على القياس ستمنحه فكرة تعفيني وتعفيه أيضا.

التعليق