عيسى الشعيبي

تبدلات في مفهوم القوة

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

لم يعد مفهوم القوة في عالم اليوم ينطوي على ذات المضامين والدلالات التي ظل يشير إليها هذا المفهوم على مدى عصور طويلة ماضية، حيث صارت القوة تحسب الآن بمدى التقدم العلمي لهذه الأمة، وتنافسية الاقتصاد لذلك الشعب، ودرجة الاستقرار ونفاذ القوانين واحترام الحريات، أكثر بكثير من عدد السكان وجاهزية الجيوش، وتنوع الثروات الطبيعية، وغير ذلك من المقومات الكلاسيكية التي كانت تدخل في حسبة القوة حتى عهد غير بعيد.

ففي عصر الصورة التلفزيونية، وارتفاع مكانة منظمات حقوق الإنسان الدولية، دخلت القوة طوراً دال فيه التجريد والمطلق لصالح تقدم النسبي والمحدود، وعظمت فيه القيم المنتمية لعالم يعلي يد القانون الدولي على القوانين المحلية، وصار يعطي أهمية مضاعفة لموضوعات الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، وما إلى ذلك من مسائل داخلية كان المجتمع الدولي يمتنع عن المس بها تحت ذريعة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة.

ولعل المغزى الكبير لتقرير ريتشارد غولدستون الأخير، وما تمخض عنه من تفاعلات لم تنته بعد، يؤكد بصورة قاطعة، أن الاستخدام المفرط للقوة، والتجاوز على القيم المستقرة في الوجدان الجماعي الانساني، والتمادي بها على نحو متفلت من الاعتبارات الأخلاقية والقيم الشرعية الدولية المتواضع عليها، خير دليل على مدى محدودية القوة في عصر باتت فيه منظمات المجتمع المدني والصحافة والقانون الإنساني الدولي سلطة جمعية ذات قوة يحسب لها الحساب.

فقد تراجع اليوم منطق القوة المجردة لصالح قوة المنطق الأخلاقي، الأمر الذي صار من الممكن معه التعويل على الرأي العام الدولي، والاتكاء عليه من جانب الضعفاء والمظلومين، وبالتالي اعتباره مصدراً مهماً من مصادر القوة الموضوعية، وذلك بشرط تفعيل الاعتبار الذاتي في إطار أي مواجهة متعددة الأشكال مع قوة طاغية تقارف القوة العمياء وتنتهك أبسط الحقوق المشروعة.

ولو أخذنا حالة تطبيقية محددة على ما ذهبنا إليه من استخلاصات، لوجدنا أن قوة إسرائيل الطاغية تتفوق تفوقاً مطلقاً على مجموع القوى الفلسطينية المحدودة القوة أساساً، غير أنه وفقاً لاعتبارات القوة الأخلاقية والقواعد الدولية المنظمة لإدارة الحروب والنزاعات، ناهيك عن سلطة الرأي العام ومحكمة وسائل الإعلام، فإن قوة إسرائيل هذه تبدو مقيدة ومحدودة، إن لم تكن ضئيلة، في مواجهة طرف يستمد قوته من عدالة قضيته، حتى لا نقول من ضعفه أحياناً.

وعليه، فقد أدى تمادي إسرائيل في انتهاج سياسة القوة، كما حصل في عدوانها على قطاع غزة في الشتاء الماضي، إلى تقلص شبكة الأمان الذي تمتعت بها طويلاً من جانب الرأي العام الغربي، وإلى تآكل قدرة كثير من الحكومات الأوروبية على تجاهل هذه المقارفات الوحشية، وتغطية الرواية التي درجت على تقديم الدولة العبرية كضحية أبدية تكافح من أجل بقائها وسط عالم عربي إسلامي يتربص بها، وذلك وفق ما تجلت عليه خريطة التصويت في مجلس حقوق الإنسان في دورته الاستثنائية الأخيرة في جنيف.

وإذ نعيد إلى الأذهان مثل هذا التبدل في مفهوم القوة، فذلك كي نؤكد مجدداً  أهمية الرأي العام، بما في ذلك الرأي العام الإسرائيلي، في إطار هذه المواجهة المتفاقمة مع قوة احتلال تتعزز لديها نزعة القتل، وتستبد بها أوهام حل النزاع بالقوة، وكي نطالب كذلك بضرورة ايلاء اهتمام أكبر للاعتبارات الأخلاقية، خاصة من جانب الطرف الذي يبدو سلاحه القليل بمثابة النقطة الأضعف لديه في إطار هذه المواجهة المتعددة الأشكال، وكي ندعو أيضاً إلى عدم الاستجابة لمشاعر اليأس التي تولد مشاعر انتحارية، وتجر إلى مجازفات تبدو نتائجها محسومة سلفاً، عوضاً عن الاحتكام إلى محكمة الرأي العام التي تنعقد جلساتها على شاشة التلفزيون ليلياً. 

Issa.alshuibi@alghad.jo 

التعليق