مقايضة النمو بعجز الموازنة

تم نشره في الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 9 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 01:29 مـساءً

 

منذ إعلان بلاغ الموازنة الانكماشية للعام 2010 والذي بشرنا أن الإنفاق العام سيتراجع ومعه نسبة العجز، بدأت التصريحات والتحليلات تتوالى حول العلاقة بين الإنفاق العام والنمو المتوقع خلال العام المقبل.

كثيرون ذهبوا باتجاه أن الحد من الإنفاق العام سيؤثر سلبا على النمو خلال العام المقبل، وهؤلاء بشكل غير مباشر يقولون للحكومة استمري بالإنفاق العام على نفس الوتيرة، فالنمو بنظرهم له أولوية على العجز، وهذه مقايضة خاطئة، وباستثناء الزميل يوسف منصور لم نجد من يتطرق لمفهوم المضاعف والميل الحدي للاستيراد، بحيث إن الإنفاق بمعظمه جارٍ ويذهب ما نسبته 75 في المائة منه لتمويل الاستيراد.

وإذا كانت العلاقة ما بين النمو والإنفاق العام هي علاقة إيجابية كما يتصور البعض، فكيف نفسر تراجع نسبة النمو هذا العام لتصل الى حوالي 3 في المائة فقط في الوقت الذي نما فيه الإنفاق العام بنسب عالية نرى آثارها تنعكس في عجز غير مسبوق منذ سنوات!

حقيقة الأمر أن المشكلة في الأردن لم تكن يوما تتمثل بحجم الإنفاق العام الذي يعتبر زائدا عن الحد وفقا للمعايير الدولية، بل بنوعية هذا الإنفاق وضعف فعاليته، وللخروج من نفق العجز فإن وزارة المالية تجد نفسها أمام خيارات محدودة، فهي إما أن تلجأ للاقتراض الذي يقترب من حدود الخطر، أو تسعى لشد الأحزمة والتوقف عن البدء بمشاريع جديدة ثبت عدم فعاليتها.

التوقف عن تلك المشاريع غير الضرورية، توحيد حسابات المالية في حساب واحد، دمج المؤسسات والهيئات التي تتداخل صلاحياتها كلها خطوات تذهب في الاتجاه الصحيح، وبعكس ما يروج، فإن هذه الخطوات تعكس حاجات محلية ملحة تمثل مدخلا لبرنامج إصلاح اقتصادي يستجيب للتحديات الرئيسة التي تواجهنا، وإلا فما هو برنامج الإصلاح؟

ولا نرى خللا على الإطلاق في التوجه الذي جاء في بلاغ موازنة العام المقبل، بل على العكس فإن ما يثير شكوكنا هو القدرة على الالتزام بالخطوط العريضة والرئيسة التي بني عليها البلاغ، فمن ناحية الرقابة على المؤسسات المستقلة، علينا كمراقبين فتح عيوننا وملاحظة كيف سيتم ذلك، كيف سيتم جلب المؤسسات "الخارجة عن الطاعة" الى حظيرة الحكومة المركزية، وكيف سيتم تحديد نفقاتها غير الضرورية ومياومات وسفرات أعضائها غير المعنيين بالعجز أو بالعبء الاقتصادي على المستوى الكلي. هذا النوع من الترشيد في النفقات لن يؤثر على النمو سلبا على الإطلاق بل على العكس له آثار إيجابية.

أما الحد من النفقات الرأسمالية الوهمية، فهذا مطلب منذ صياغة الأجندة الوطنية، فنحن نعلم أن تلك النفقات بمعظمها جارية، والرأسمالية قضية تخص التصنيف وليس ما ينفذ على أرض الواقع، ولا ضير من وضع أولويات لهذا النوع من الإنفاق والحد منه، فبناء جسر "لا يؤدي الى أي مكان" ليس مشروعا سيضر الغاؤه بالنمو. 

الحد من الإنفاق العام لا يمثل مقايضة بمستوى النمو في الأردن، وعلى العكس فإن تحقيق الاستقرار الاقتصادي وضبط العجز وتطبيق مبدأ "إنفاق أقل وفعالية أكثر" هو الذي يجب أن يسود بكل ما يحمل الأمر من بساطة، فالمؤسسات الدولية لم تعد تتوق للإشراف على برامج إصلاح لا تعرف الى أين ستؤدي، والعجز هذا العام هو نتيجة لتراكم أخطاء في إدارة هذا الملف على مدى سنوات، والحل يبدأ بضبط العجز وتمكين الحكومة المركزية وإضفاء المزيد من الشفافية على أداء المؤسسات المستقلة، ورغم بديهية ما نتحدث به إلا أننا بحاجة الى التأكيد عليه مرارا، وببساطة فإن الحياد عن الأساسيات هو الذي يوقع في الشرك.

ibraheem.saif@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاستثمار (منهل مطر)

    الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    في الحقيقة كل ما ذكر صحيح باستثناء ما ورد في الفقرة الثالثة. يجب الانتباه الى ان الاندفاع باتجاه تبني فكرة معينة دون تدقيق قد يؤدي الى ما وقعت فيه. هنا اعيدك لمراجعة البيانات المنشورة عن حجم الاستثمار والصادرات لتتبين عدم دقة ما طرحت. مع الاحترام.