هاني البدري

بنكرياس للبيع .. بداعي السفر

تم نشره في الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

 

"الحقونا".. أطلقها مرة في العام 1988 نور الشريف عندما استغاث بأي كان لاستعادة كليته المسروقة وسط الفقر والعوز وعلى ايدي من احترف اللعب بقطع غيار البشر في اوكازيون وحراجات "السكراب" لخلق الله.

اليوم وبعد مرور عقدين وأكثر على الفيلم السينمائي الذي بالكاد صدقناه، ولم نتخيل أن نراه حقيقة مُرة.. وانعكاساً مريراً لمرآة الفقر والحاجة وأكل "العيش".. وأين؟! هنا بيننا نحن من ضحكنا كثيراً على غرابة الظواهر التي نراها عند غيرنا.. وحمدنا الله كثيراً ان ما نسمعه ونتابعه حول مآسي غيرنا.. بعيدٌ عنا.

الحمد لله ايضاً لم تعد المآسي المريرة عند غيرنا، بل باتت فينا وعندنا وعلى مرمى نظرنا وتماسنا.

أردنيون، يقرر الفقر والجوع ان يعجنهم ويُسقطهم في مطحنة الحياة والاستغلال ومافيات "آكلي لحوم البشر وكِلاهم" فيتوجهون لبيع اعضائهم قطعة تلو الاخرى.. عبر سماسرة الدم والوعود والدولارات.. تماماً مثل ذلك السمسار الذي خطط لسرقة كلية السائق الفقير "قرشي" في الفيلم الذي لاقى ضجة كبيرة عند عرضه قبل عشرين عاما.

ما نحن بصدده اكثر من سرقة، فهي جريمة انسانية لا تتفق بأي حال من الاحوال مع عقيدة او قانون او خُلُق وهي واحدة من صور الاستغلال البشع لحاجات الناس وفقرهم كتجارة الرقيق؛ أسودها وأبيضها.

اما وقد وصلتنا الظاهرة، بل قفزنا مرة واحدة لنتبوأ ريادة لا نريدها ولا نروم شرفها، عندما اُعلن عن تنظيمٍ من مافيا الاتجار بأعضاء الناس الاحياء من الأردنيين في القاهرة، وتسليم السلطات المصرية هذا التنظيم للاردن.. فقد دخلنا في اللعبة القذرة و"وقعت الفاس بالراس"..

المهم ان عشرات الحالات من اردنيين شل العوز إرادتهم وأفقدهم الجوع قدرتهم على قول لا في مواجهة "زن" السماسرة والوسطاء وقاطعي اوصال البشر، باتوا يتذكرون تجربتهم ويذكرونها بمرارة الندم والغيظ بأن قطعاً من اجسادهم التي هي نعمة من الله سبحانه وأمانة له جل وعلا، قد باتت في احشاء غيرهم مقابل حفنة دولارات آيلة للصرف وستسقط معها آمالهم بغد افضل وصحة احسن.

المشكلة أن من خاض التجربة يؤكد بمرارة، ان لا بيع كلية او قطعة من كبده او عضو آخر من جسده حل مشكلة الفقر، ولا هو عاد الى سابق صحته، عندما كان يتنفس الصعداء بعد كل ضائقٍ مالي او حاجة. فتنتفخ احشاؤه بالأوكسجين ليخرجها؛ أي الجملة الشهيرة وكأنها مبرمجة "الحمد لله.. المهم صحتنا بألف خير".

لم يعد كثير من الاردنيين قادرين على تنفس الصعداء ولا على نفخ بوق التفاؤل ودغدغة النفوس المنهكة. بـ "المهم الصحة بخير"..

لم تعد الصحة بخير.. خصوصاً عند اكثر الفئات المستهدفة من تجار قطع الغيار البشرية.. الشباب في الثلاثينيات حيث الصحة والعافية، والكلى التي تكاد تكون "بورقتها"، ما يرفع سعرها وتقفز معه عمولة الوسيط.

من يصدق منكم ان قيمة الانسان عندنا، رغم كل الظلم والاستهتار ومظاهر الفساد والشللية والواسطة، واغتيال المواهب ودعس النجاحات وسفك الكرامات الشخصية ماتزال محترمة، ما يدفعها حتى اللحظة لأن نتحدث باستغراب عن الظاهرة، وان نتلقف اخبار عصاباتها باستهجان، وأن نسمع ان تحقيقات مكثفة تجرى مع من يقف وراء هذه المافيات.

الحمد لله مازال مجتمعنا بصحة وعافية.. على الاقل

ولم نصل بعد الى حد ان نرى واجهات لمحال تجارية في احدى الشوارع، ترفع يافطات اعلانية وتعلن عن ان "بنكرياس للبيع.. استعمال خفيف" او "كلى طازجة بأسعار خيالية" او حتى شيئاً من قبيل ابداعاتنا الاعلانية "نكسر الأسعار الآن.. اشتر فشة واحصل على قولون مجاناً".

رغم جنون الفكرة.. الا ان محال مشابهة موجودة بالفعل.. في دول قيمة الانسان فيها واعضاؤه.. مجرد بضاعة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ااا (Dirar Al Mousa)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    انا بقول نستنا تا تشوف شو حيصير مع الزلمة اوا والله جابتلو سعر منيح هينا بعنا

    تحياتي لمن دمر حياتي ... بكرهك يا حماتي
  • »هم في " كفر الغلابا غلبانين ليه ؟؟! (ابن الصريح)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    المقال مؤلم من كاتب كبير قادر على استدعاء زخم المشاعر الانسانيه وتحريكهابهاله من الاثاره الايجابيه

    في الدول الناميه تتواجد بؤر الفقر بامتياز حتى برز عندنا حاله اسمها " الفقر العفيف"زالواقعون تحت مظلته ينتحرون ببيع بعض قطع اجسامهم لعابر سبيل دلا يجسر على اعلان فقره تحت مسمى" ثقافة العيب" المتواجده في شعبنا الحيي الخجول...

    الله اعلم انها تجاره عالميه مزدهره تمارسها مافيات "دول غنيه" ابتدأت بالضحيه: شعوب افريقياالمنكوبه التي يتناهشها العوز جتى تكشيرة الجمجمه والاضلاع النافره بطريقها للهلاك.. كما هي حالة البعثه الفرنسيه التي تم القيض عليها في شرق تشاد على الحدود السودانيه..

    في الدول الغنيه ولا سيما سماسرتها ومافياتها رغم اطار المجامله الدوليه تعتبر الفقير مخلوق غبي وحيوان ناطق يمكن استدراجه للمصيده..

    الان حان الوقت للتحدث بشأن تحديد النسل رغم ان علمائنا الاجلاء يعارضون ذلك حتى التحريم حتى لا يظل الفقير يرتع بجحيم فقره في ظل نقص ملحوظ في التكافل الاجتماعي ليس في الاردن فحسب ولكن في كل دنيا الله الواسعه..

    في مسح اجتماعي بصعيد مصر طافت احدى اللجان على القرى البائسه في اعالي الصعيد.. وكان من بين اللجنه شخص " فايق ورايق وماخذ تعجيله " وراح يسأل البؤساء: انتم بكفر الغلابا غلبانين ليه!!
  • »شو المانع (البرنس)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    اللهم عافينا
    بس الله يعينا احنا الشباب الواحد غرقان بالديون وبدو يتزوج ويستقر والحكومه (نايمه بالعسل) ليش الواحد وصل للطريق هاي وانتشرة على فكرة وين الوظائف الشهدات الخبرات الكفائه موجودين
    - بالعربي ......مش عارف شو اكتب
    -الحياة صارت بتخزي
    -والشباب مرميين بالشوارع
    -الجرائم زادت
    -الحياة زي النار كل اشي غالي
    -البنات صارو هم يلحقو الشباب!!!
    ((فكري يا حكومتنا الراشيده))
    ,,,التوقيع علاء البرنس
  • »معلاق للبيع أربعه جيد استخدام آنسة (نجيب كايد)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    الموضوع له علاقة باحترام الإنسان لنفسه... عندما تصبح نظرة الإنسان لنفسه غير إنسانية: عبارة عن مجموعة أعضاء (قطع) موصلة ببعضها، عندها يصبح لا مانع من البيع.

    مبدع دائماً أستاذنا
  • »التجارة الخاسرة (محمد زِكري)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    بعدما كُنا نسمع او نرى بالامس عن هؤلاء الاقارب -الاصول- المتبرعين لاعزائِهم خَشية فقدانهم لهم في الحياة الدنيا، حاملين تعاطفنا الانساني لتلك المواقف النبيلة، إلا اننا اصبحنا اليوم نسمع وعلى الملأ عن تلك الفئات الضالة من الخاطفين بُغية سرقة الاعضاء والمتاجرة بها دون رحمةٍ ولا ضمير.
    وأوافق هُنا الكاتب (هاني البدري) بمقاله (بنكرياس للبيع.. بداعي السفر) وهو عنوان يحمل الكثير من المعاني والاستغراب لما نشهده في زماننا من غيابات الطبيعة البشرية في قلوب اولئك المتاجرين.
    اقتلاعٌ بالرضى او بالاكراه فكلاهما يصبُ في مسلكٍ واحد ألا وهو جنيُ المال من وراء هذا الامتهان، أما الاكراه يكون لصاحبه (نقمة) بفقدانه عضوٌ من اعضائه مُرغَماً عليه فلا تشار عليه أصابع الاتهام كونه مجنيٌ عليه، إنما اللوم والاتهام الذي لا يَقبل تبريراً لذاك الذي باع بالرضى ما ليس مُلكاً له وما هو مؤتمنٌ عليه، مهما كانت حُجته التي يُراهن عليها كالفقر والحاجة الماسة، ومن هذا المنطلق السقيم استشرس هؤلاء المتاجرين والوسطاء بملئ جعبتهم وازديادهم لتلبية الاحتياجات المرغوبة في اسواق العضوية البشرية.
    واتساءل بتعجب! كيف لذاك البائع ان يؤمَن على نفسه من هؤلاء المتاجرين للاعضاء الذين يعملون في الخفاء دون شريعة او قانون وبلا رحمةٍ في القلوب، ولمن سيشتكيهم إن لم يُوَفوا له بزينة الوعود والعهود، ومن يُدرِه ما انتزعوه من جوفه وهو في غيوبةٍ عن الوجود، حتى يصبح من غفوته خاسراً لنفسه وقد لا يرى النور ابداً..
  • »الفشل (طارق شواوره)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ان اثارة القضيه الجديده القديمه ربما تكون مفيده لمن يبيع جزء من جسده الذي هو بلاصل ليس ملكه ولكنه مؤتمن عليه ولكن الفشل في الحياه وليس الفقر سبب لبيع الاعضاء فالله وحده الذي وهبنا الجسد وهو وحده الذي يهبنا الرزق فيعود الشخص الى وطنه ليس فقيرا فقط بل وعليلا ايضا مقابل حفنة مال يصرفها هناك قبل ان يرجع ليستثمرها وهذا ما حصل مع جميع من باع جزء من جسده الذي ليس هو ملكه اصلا فتزداد حياته صعوبه بوجود نقص في جسده وانه بحاجه الى عنايه خاصه وطعام خاص وهذا انتحار كمن يرمي نفسه الى التهلكه وشكرا
  • »الغلاء المفتعل في الأردن (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    الفقر المصطنع الذي فرضته الدولة على مواطنينا يجعلنا مثل الرجل يصحب ابنته أو اخته أو زوجته أو حفيدته ليؤجرها في سوق النخاسةحتى يتمكن من ان يضع كسرة خبز وبعض حبات الزيتون ، وزر بندورة مخمخمة ليعيش اطفاله ...بأمكان الدولة لو ارادت ايقاف الغلاء في الأردن.
  • »السوق المفتوحة (حنان الشيخ)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    صباح الخير استاذ هاني و اشكرك على المقال خفيف الظل و لو انه يناقش قضية ثقيلة الوزن .. و اتمنى ان تسمح لي باضافة امر غاية في الخطورة يتعلق بذات الموضوع . ان فكرة اللجوء الى البيع بحد ذاتها كارثة وطنية تستلزم الوقوف عندها و التروي قبل المغادرة ! لان استسهال الحلول المتوفرة(ولو مؤقتا) و اللجوء الى فكرة التخلص شيئا فشيئا من أغراضنا الخاصة ينذر بخطورة استخفافنا بتلك الأشياء حتى و لو ان التباكي على اضاعتها سيكون متأخرا انما برأيي انه سيكون أيضا بلا معنى ! بيع الاعضاء مشكلة لا تتعلق بالاعضاء فقط بل مركزها الرئيسي هوفكرة البيع بحد ذاتها . برأيك يا أستاذي من تهون عليه كليته او لا تهون (حتى لا اتهم بالفوقية) , هذا الشخص لماذا لن اتخيل ان تهون عليه اشياء أخرى بعد ذلك ؟؟ اليوم نندهش من بيع الأعضاء و غدا ربما ستكتب عن ظاهرة بيع الأفكار و بيع الأسرار و بيع الأبناء و بيع المعلومات و بيع الشرف و لو ان كل الاحتمالات السابقة سقط بعض الضعفاء في قصصها القليلة في مجتمعنا .. لكن لا تعرف ما الذي تخبؤه الأيام القادمة ما دام البيع صار أقصر الطرق للحلول السريعة و قصيرة الأمد للأسف !!
  • ».. (edward nassar)

    الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    Just perfect article